فهرس الكتاب
حَمِيدٌ (12) . فهذه جملة معبرة عن جملة الحكمة علمها والعمل بها.
ثم جعل - جلَّ جلالُه - يخبر عن إصابته بالقول وفصل الحق قولاً وعملاً إلى قوله: (إِنَّ
أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) . فالحكمة إذا هي معرفة حقائق
الموجودات كيف أوجدت، وما المراد بها وإلى ما يؤول، ومعرفة صانعها وجاعلها
فيها، ثم العمل بموجب الحكمة، فهو الحق المبتغى والسنن المرتضى، هذه عبارة
عن الحكمة في تعرف الموجودات.
ومعرفة حقائق الموجودات ترجع إلى أربعة أركان:
أحدها: معرفة بداياتها ثم الوقوف على ظواهرها، ثم معرفة بواطنها إن كان
المنظور فيه من الكيفيات، ومعرفة لما أوجده موجده، وهل هو من قبيل اليمين
فيوالى، أم من ذوات الشمال فيعادى، ويتبرأ منه إن كان من المتكلفين، وباطن
العبد المنقاد للحكمة منير مضيء، فهو شمس الباطن بنورها يتميز صور بواطن
الموجودات خيرها وشرها نفعها وضرها، وهذا نور منبعث من حقيقة القلب
المعمور بنور الإيمان، وهو عين شمسها لا أفول لهذه الشمس إلا في حجاب
الغفلة، وإلا فنورها في عين البصيرة منبسط على آفاق القرآن؛ بل الحكمة بنور
الإيمان أشد إضاءة، وأثقب نورًا من نور الشمس في الظاهر، فكما أن الشمس
الظاهرة تستنير بها الأبصار تتميز بها المرئيات، فكذلك الحكمة بنور الإيمان في
الباطن، وأكد مطلوب الحكمة معرفة العبد ربه هذا بالوجهة والنية.
وأما من حيث تناوش الطلب فآكد مما عليه طلبه معرفة نفسه حتى يعرفها حق
معرفتها ظاهرة وباطنة، فمن هنالك يعرف ربه - جلَّ جلالُه - ، ومن لم يعرف ربه إلا بمخلوقاته
وبأسمائه لم يعرفه إلا معرفة أسماء وصفات إنما تتحصل حقيقة المعرفة بما صنعه
لنفسه خاصة، وهذا فصل من الحكمة بعيد غوره جدًا، وهو مع ذلك قريب متناوله
شريف نهايته، فافهم.
والحكمة فاعلم هي الحق المخلوق به السماوات والأرض، وهو ما اقتضته
أسماؤه الحسنى وصفاته الكاملة العليا، فأكحل عينك بكحل السهر، وألزِم نفسك
تدؤب التذكر وترداد التفكر، واضرع إلى مالك عصم الإصابة - عز وجل - ، وادعه باستكانة