وقوله: {لَتُفْسِدُنَّ} يريد المعاصي وخلاف أحكام التوراة وقوله: {فِى الأرض} يعني أرض مصر وقوله: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} يعني أنه يكون استعلاؤكم على الناس بغير الحق استعلاء عظيماً ، لأنه يقال لكل متجبر: قد علا وتعظم ، ثم قال: {فَإِذَا جَآء وَعْدُ أولاهما} يعني أولى المرتين: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} والمعنى: أنه إذا جاء وعد الفساق في المرة الأولى أرسلنا عليكم قوماً أولى بأس شديد ، ونجدة وشدة ، والبأس القتال ، ومنه قوله تعالى: {وَحِينَ البأس} [البقرة: 177] ومعنى {بعثنا عليكم} أرسلنا عليكم ، وخلينا بينكم وبينهم خاذلين إياكم ، واختلفوا في أن هؤلاء العباد من هم ؟ قيل: إن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء ، وذلك أول الفسادين فسلط الله عليهم بختنصر فقتل منهم أربعين ألفاً ممن يقرأ التوراة وذهب بالبقية إلى أرض نفسه فبقوا هناك في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر غزا أهل بابل واتفق أن تزوج بامرأة من بني إسرائيل فطلبت تلك المرأة من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل ، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا ، فهو قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ} .
والقول الثاني: إن المراد من قوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا} أن الله تعالى سلط عليهم جالوت حتى أهلكهم وأبادهم وقوله: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة} هو أنه تعالى قوى طالوت حتى حارب جالوت ونصر داود حتى قتل جالوت فذاك هو عود الكرة.
والقول الثالث: إن قوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا} هو أنه تعالى ألقى الرعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس ، فلما كثرت المعاصي فيهم أزال ذلك الرعب عن قلوب المجوس فقصدوهم وبالغوا في قتلهم وإفنائهم وإهلاكهم.