فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَطَلْتُمْ الْكَلَامَ فِي مَسْأَلَةِ الْقُصُودِ فِي الْعُقُودِ، وَنَحْنُ نُحَاكِمُكُمْ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ: {وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [هود: 31]
فَرَتَّبَ الْحُكْيمَ عَلَى ظَاهِرِ إيمَانِهِمْ، وَرَدَّ عِلْمَ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ إلَى الْعَالِمِ بِالسَّرَائِرِ تَعَالَى الْمُنْفَرِدِ بِعِلْمِ ذَاتِ الصُّدُورِ وَعِلْمِ مَا فِي النُّفُوسِ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [هود: 31]
وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» وَقَدْ قَالَ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» فَاكْتَفَى مِنْهُمْ بِالظَّاهِرِ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللَّهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِاَلَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَاعْتَذَرُوا إلَيْهِ، قَبِلَ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ سِيرَتُهُ فِي الْمُنَافِقِينَ: قَبُولُ ظَاهِرِ إسْلَامِهِمْ، وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]
وَلَمْ يَجْعَلْ لَنَا عِلْمًا بِالنِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ تَتَعَلَّقُ الْأَحْكَامُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِهَا، فَقَوْلُنَا لَا عِلْمَ لَنَا بِهِ.