قَالَ عُتْبَةُ الْغُلامُ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ قَهْقَهَ, وَمَا رَأَيْتُهُ قَطُّ تَبَسَّمَ, فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَضْحَكُ؟ فَمَا كَلَّمَنِي لِثِقَلِ حَالِهِ, فَلَمَّا مَاتَ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ مِنْ أي شيء ضحكت؟ قال: مِنْ أَمْرِ مَلَكِ الْمَوْتِ, إِنَّهُ نُودِيَ وَأَنَا أَسْمَعُ: شَدِّدْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ, فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ. فَقُلْتُ: مَا كَانَتْ؟ فَلَمْ يُجِبْنِي.
واأسفا: هَذَا حَالُ الْحَسَنِ وَمَا عُرِفَ مِنْهُ إِلا الْحَسَنُ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا إِذَنْ مَعَ مَا لَنَا مِنْ مِحَنٍ.
يَا مَنْ قَدْ لَعِبَ الْهَوَى بِفَهْمِهِ, وَسَوَّدَتْ شَهَوَاتُهُ وَجْهَ عَزْمِهِ, يَا مَبْنِيًّا عَنْ عَزْمِ الْبَانِي عَلَى هَدْمِهِ, يَا مَحْمُولا إِلَى الْبِلَى لِتَمْزِيقِ لَحْمِهِ, أَمَا يَكْفِيهِ مُنْذِرًا وَهْنُ عَظْمِهِ, كَمْ نُقَرِّبُكَ وَأَنْتَ مُتَبَاعِدٌ, كَمْ نُنْهِضُكَ إِلَى الْعُلا يَا قَاعِدُ, كَمْ نُحَرِّضُكَ وَمَا تُسَاعِدُ سَاعِدٌ, كَمْ نُوقِظُكَ وَأَنْتَ فِي اللَّهْوِ رَاقِدٌ, يَا أَعْمَى الْبَصِيرَةِ وَمَا لَهُ قَائِدٌ, يَا قَتِيلَ الأَمَلِ لَسْتَ بِخَالِدٍ, يَا مُفَرِّقَ الْهُمُومِ وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ, إِنْ لاحَتِ الدُّنْيَا فَشَيْطَانٌ مَارِدٌ, تُقَاتِلُ عَلَيْهَا فَتَكِرُّ وَتُطَارِدُ, فَإِذَا جَاءَتِ الصَّلاةُ فَقَلْبٌ غَائِبٌ وَجِسْمٌ شَاهِدٌ, وَتَقُولُ قَدْ صَلَّيْتُ أَتُبَهْرِجُ عَلَى النَّاقِدِ, مَا تَعْرِفُنَا إِلا فِي أَوْقَاتِ الشَّدَائِدِ, أَمَّا ذُنُوبُكَ كَثِيرَةٌ فَمَا لِلطَّرْفِ جَامِدٌ, مَلَكَكَ الْهَوَى وَنَحْنُ نَضْرِبُ فِي حَدِيدٍ بَارِدٍ.
(وَرُبَّمَا غُوفِصَ ذُو غَفْلَةٍ ... أَصَحَّ مَا كَانَ وَلَمْ يَسْتَقِمِ)
(يَا وَاضِعَ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ ... خَاطَبَكَ الْقَبْرُ فَلَمْ تَفْهَمِ)