قوله تعالى: (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى) .
إن قلت: يدل على أن النهي عن الشيء ليس بضده، والإيمان تأكيد، والأصل التأسيس، قلت: إنما ذلك حيث يكون له ضد واحد، وهنا له أضداد منها الإباحة فأفاد الأمر تعيين المراد من تلك الأضداد، ووقع النهي عن ثلاثة أشياء والأمر بشيئين، والواو في وَتَنَاجَوْا بمعنى (أو) إذ لو كانت للجمع على حقيقتها للزم عليه أن يكونوا نهوا عن الجمع في التناجي بين الأمر، فيبقي التناجي الملزوم لأحدهما فقط، غير منهي عنه، لأنها قبل النهي كانت للجمع بينهما، فدخل النهي عليها فأفاد التحذير منهما
عن أحدهما.
فإن قلت: وقع في الحديث النهي عن التناجي مطلقا، بقوله:"لا يتناجى اثنان دون واحد"، وظاهر الآية خصوص النهي بالتناجي بالإثم والعدوان، وجواز التناجي بغير ذلك؟ قلت: معنى الحديث النهي عن التناجي الملزوم للإثم، فإِن قلت: كيف يفهم هذا الترتيب بين المعطوفات على ما فسرته في الآية لأنك جعلت معصية الرسول أخصها، ثم العدوان ثم الإثم، والقاعدة في النهي والنفي البداية بالأخص، والجواب: أن قصد المبالغة في الآية بذكر العدوان والمعصية مدلولا عليها بأمرين: بالمطابقة واللزوم، والشرط ما قلناه راجع للإثم، والتقوى راجعة للعدوان، لأنه إذا اتقى الله لم يعتد.
قوله تعالى: {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... (10) }
قال الإمام: إلا بخلقه وقدرته، (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ، راجع لمعصية الرسول؛ لأن اعتقاد الحشر والنشر لَا يستفاد إلا من جهة الرسول، وليس للعقل مدخل فمن صدق الرسول، فقد اتقى، ومن كذبه فقد عصى الله ورسوله.
قوله تعالى: (إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ) .