فعليك يا طالب العلم بالاجتهاد في جمع المال للغنى عن الناس فإنه يجمع لك دينك. فما رأينا في الأغلب منافقاً في التدين والتزهد والتخشع ولا آفة طرأت على عالم إلا بحب الدنيا، وغالب ذلك الفقر.
فإن كان له ما يكفيه ثم يطلب بتلك المخالطة الزيادة، فذلك معدود في أهل الشره، خارج عن حيز العلماء، نعوذ بالله من تلك الأحوال.
(فصل عزة العلم تضع أصحابها فوق الملوك)
بقدر صعود الإنسان في الدنيا تنزل مرتبته في الآخرة.
وقد صرح بهذا ابن عمر رضي الله عنهما فقال: والله لا ينال أحد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عنده كريماً.
فالسعيد من اقتنع بالبلغة، فإن الزمان أشرف من أن يضيع في طلب الدنيا.
اللهم إلا أن يكون متورعاً في كسبه، معيناً لنفسه عن الطمع، قاصداً إعانة أهل الخير والصدقة على المحتاجين، فكسب هذا أصلح من بطالته.
فأما الصعود الذي سببه مخالطة السلاطين فبعيد أن يسلم معه الدين، فإن وقعت سلامته ظاهراً فالعاقبة خطرة.
قال أبو محمد التميمي: ما غبطت أحداً إلا الشريف أبا جعفر يوم مات القائم بأمر الله فإنه غسله وخرج ينفض أكمامه فقعد في مسجده لا يبالي بأحد ونحن منزعجون لا ندري ما يجري علينا.
وذاك أن التميمي كان متعلقاً على السلطان يمضي له في الرسائل، فخاف مغبة القرب.
وقد رأينا جماعة من العلماء خالطوا السلطان فكانت مغبتهم سيئة.
ولعمري إنهم طلبوا الراحة فأخطأوا طريقها، لأن غموم القلب لا توازيها لذة مال ولا لذة مطعم، هذا في الدنيا قبل الآخرة.
وليس أشرف وأطيب عيشاً من منفرد في زاوية لا يخالط السلاطين ولا يبالي أطاب مطعمه أم لم يطب.
فإنه لا يخلو من كسرة وقعب ماء ثم هو سليم من أن تقال له كلمة تؤذيه، أو يعيبه الشرع حين دخوله عليهم أو الخلق.
ومن تأمل حال أحمد بن حنبل في انقطاعه، وحال ابن أبي داؤد، ويحيى بن أكثم عرف الفرق في طيب العيش في الدنيا والسلامة في الآخرة.
وما أحسن ما قال ابن أدهم: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذيذ العيش لجالدونا عليه بالسيوف.
ولقد صدق ابن أدهم، فإن السلطان إن أكل شيئاً خاف أن يكون قد طرح له فيه سم، وإن نام خاف أن يغتال، وهو وراء المغاليق لا يمكنه أن يخرج لفرجة، فإن خرج كان منزعجاً من أقرب الخلق إليه، واللذة التي ينالها تبرد عنده، ولا تبقي له لذة مطعم ولا منكح.