وهذا الزبير وعبد الرحمن بن عوف أفضل من جمهور الصحابة مع الغنى الوافر وتأثيرهما في الدين أعظم من تأثير أهل الصفة وقد نهى رسول الله عن إضاعته وأخبر أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير له من تركهم فقراء وأخبر أن صاحب المال لن ينفق نفقة يبتغي بها وجه الله إلا ازداد بها درجة ورفعة وقد استعاذ رسول الله من الفقر وقرنه بالكفر فقال اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر فإن الخير نوعان خير الآخرة والكفر مضاده، وخير الدنيا والفقر مضاده فالفقر سبب عذاب الدنيا والكفر سبب عذاب الآخرة والله سبحانه وتعالى جعل إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء وأخذها وظيفة الفقراء وفرق بين اليدين شرعا وقدرا وجعل يد المعطي أعلى من الآخذ، وجعل الزكاة أوساخ المال، ولذلك حرمها على أطيب خلقه وعلى آله صيانة لهم وتشريفا ورفعا لأقدارهم
ونحن لا ننكر أن رسول الله كان فقيرا ثم أغناه الله والله فتح عليه وخوله ووسع عليه وكان يدخر لأهله قوت سنة ويعطي العطايا التي لم يعطها أحد غيره وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ومات عن فدك والنضير وأموال خصه الله بها وقال تعالى {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول}
فنزهه ربه سبحانه عن الفقر الذي يسوغ الصدقة وعوضه عما نزهه عنه بأشرف المال وأحله وأفضله وهو ما أخذه بظل رمحه وقائم سيفه من أعداء الله الذين كان مال الله بأيديهم ظلما وعدوانا فإنه خلق المال ليستعان به على طاعته وهو بأيدي الكفار والفجار ظلما وعدوانا فإذا رجع إلى أوليائه وأهل طاعته فاء إليهم ما خلق لهم ولكن لم يكن غنى رسول الله وملكه من جنس غنى بني الدنيا وأملاكهم فإن غناهم بالشيء، وغناه عن الشيء وهو الغنى العالي، وملكهم ملك يتصرفون فيه بحسب إرادتهم وهو إنما يتصرف في ملكه تصرف العبد الذي لا يتصرف إلا بأمر سيده. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...