واستمر أهل الإفك في هذا أكثر من شهر، والله تعالى عالم بما يقولون، وأن قولهم يكاد يقطع أكباد أحب خلقه إليه، وهو قادر على تكذيبهم عند أول ما خاضوا فيه، ولكنه سبحانه أراد لناس رفعة الدرجات، ولآخرين الهلاك، فيا لله ما لقي النبي صلى عليه وسلم والصديق وآله رضي الله عنهم وكل من أحبهم وهم خير الناس، والله سبحانه وتعالى يملي للآفكين ويمهلهم، وكأن الحال لعمري كما قال أبو تمام الطائي في قصيدة:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
وحين سمعت عائشة رضي الله عنها بقول أهل الإفك سقطت مغشياً عليها وأصابتها حمى بنافض، واستأذنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إتيان بيت أبيها فأذن لها فسألت أمها عن الخبر، فأخبرتها فاستعبرت وبكت، وكان أبو بكر رضي الله عنه في علية يقرأ فسمع حسها فنزل فسأل أمها فقالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه، واستمرت هي رضي الله عنها تبكي حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها، وساعدتها على البكاء امرأة من أولي الوفاء والمؤاساة والكرم والإيثار ومعالي الشيم: الأنصار رضي الله عنهم، فكانت تبكي معها، وسأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عائشة رضي الله عنها جاريتها بريرة رضي الله عنها فاستعظمت أن يظن في عائشة رضي الله عنها مثل ذلك فقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، وخطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس على المنبر واستعذر ممن تكلم في أهله وما علم عليهم إلا خيراً، وشهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو الصادق المصدوق بصلاح صفوان بن المعطل رضي الله عنه وأنه ما علم عليه إلا خيراً، فكاد الناس يقتتلون فسكنهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم دخل بعد أن صلى العصر على عائشة رضي الله عنها وهي تبكي والأنصارية معها فوعظها، فأجابت وأجادت، فأنزل الله على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك المجلس فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، قالت عائشة رضي الله عنها: فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت وما باليت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده! ما سري عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قاله الناس، قالت: فرفع عنه وإني لأتيبن السرور في وجهه وهو يمسح عن جبينه العرق ويقول:
«أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك» ، فكنت أشد ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي إليه! فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وأنزل الله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك} العشر الآيات كلها، قالت عائشة رضي الله عنها: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله! والذي نفسي بيده! ما كشفت كنف أنثى قط. قالت: ثم قتل بعد ذلك شهيداً في سبيل الله.