فهرس الكتاب

الصفحة 2892 من 2940

(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)

ولما ذكر الأعداء وقرناءهم نذارة، أتبعه ذكر الأولياء وأوداءهم بشارة، فقال مبيناً لحالهم القابل للإعراض وثمراته جواباً لمن يسأل عنهم مؤكداً لأجل إنكار المعاندين: {إن الذين} قال أبو حيان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في الصديق رضي الله عنه وأرضاه. {قالوا} أي قولاً حقيقياً مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقاً لداعي الله في دار الدنيا متذللين حيث ينفع الذل جامعين بين الأسّ الذي هو المعرفة والاعتقاد، والبناء الذي هو العمل الصالح بالقول والفعل على السداد، فإن أصل الكمالات النفسانية يقين مصلح وعمل صالح، تعرف الحق لذاته والخير لتعمل له ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله، ورأس الأعمال الصالحة الاستقامة على حد الاعتدال من غير ميل إلى طرف إفراط أو تفريط: {ربنا} أي المحسن إلينا {الله} المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له.

ولما كان الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمراً في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم استقاموا} طلبوا وأوجدوا القوام بالإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب ولم يشركوا به صنماً ولا ثناً ولا آدمياً ولا ملكاً ولا كوكباً ولا غير بعبادة ولا رياء، وعملوا بما يرضيه وتجنبوا كل ما يسخطه وإن طال الزمان، امتثالاً لما أمر به أول السورة في قوله {إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه} فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد {تتنزل} على سبيل التدريج المتصل {عليهم} من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن يدخلوا الجنة باطناً فظاهراً {الملائكة} بالتأييد في جميع ما ينوبهم فتستعلي الأحوال الملكية على صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل عندها، وتشرق مرائيهم، ثم شرح ما يؤيدونهم به وفسره فقال: {ألا تخافوا} أي من شي مثله يخيف، وكأنهم يثبتون ذلك في قلوبهم {ولا تحزنوا} أي على شيء فاتكم، فإن ما حصل لكم أفضل منه، فأوقاتكم الأخراوية فيها بل هي كلها روح وراحة، فلا يفوتهم لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه {وأبشروا} أي املأوا صدوركم سروراً يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة سائر الجسد {بالجنة التي كنتم} أي كوناً عظيماً على ألسنة الرسل {توعدون} أي يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل، وقال الرازي في اللوامع: يبشرون في ثلاثة مواضع: عند الموت، وفي القبر، ويوم البعث - انتهى.

وهذا محول على الكلام الحقيقي وما قبله على أنهم يفعلون معه ما ترجمته ذلك.

ولما أثبتوا لهم الخير، ونفوا عنهم الضير، عللوه بقولهم: {نحن أولياؤكم} أي أقرب الأقرباء إليكم، فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن يفعله القريب {في الحياة الدنيا} نجتلب لكم المسرات ونبعد عنكم المضرات ونحملكم على جميع الخيرات بحيث يكون لكم فيها ما تؤثره العقول بالامتناع مما تهواه النفوس وإن تراءى للرائين في الدنيا أن الأمر بخلاف ذلك، فنوقظكم من المنام، ونحملكم على الصلاة والصيام، ونبعدكم عن الآثام، ضد ما تفعله الشياطين مع أوليائهم {وفي الآخرة} كذلك حيث يتعادى الأخلاء إلا الأتقياء {ولكم فيها} أي الآخرة في الجنة وقبل دخولها في جميع أوقات الحشر {ما تشتهي} ولو على أدنى وجوه الشهوة بما يرشد إليه حذف المفعول {أنفسكم} لأجل ما منعتموها من الشهوات في الدنيا {ولكم} .

ولما كان السياق للذين استقاموا العام للسابقين وأصحاب اليمين على ما أشير إليه الختم بصفة المغفرة وتقديمها، قيد بالظرف بخلاف ما في يس فقال: {فيها} أي الآخرة {ما تدعون} أي ما تؤثرون دعاءه وطلبه وتسألونه وتمنونه بشهوة نفوسكم ورغبة قلوبكم.

ولما كان هذا كله بالنسبة إلى ما يعطون شيئاً يسيراً، نبه عليه بقوله: {نزلاً} أي هذا كله يكون لكم كما يقدم إلى الضيف عند قدومه إلى أن يتهيأ ما يضاف به. ولما كان من حوسب عذب، فلا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة، أشار إلى ذلك بقوله: {من} أي كائناً النزل من {غفور} له صفة المحو للذنوب عيناً وأثراً على غاية لا يمكن وصفها {رحيم} أي بالغ الرحمة بما ترضاه الإلهية، فالحاصل أن المفسد يقيض الله له قرناء السوء من الجن والإنس يزيدونه فساداً والمصلح ييسر الله له أولياء الخير من الإنس والملائكة يعينونه ويحببونه في جميع الخيرات ويبعدونه ويكرهونه في جميع المضرات - والله يتولى الصالحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت