{أفكلما} أي أفعلتم ما فعلتم من نقض العهود مع مواترة الرسل ووجود الكتاب فكلما {جاءكم رسول} أي من عند الله ربكم {بما لا تهوى أنفسكم} من الهوى وهو نزوع النفس لسفل شهوتها في مقابلة معتلى الروح لمنبعث انبساطه، كأن النفس ثقيل الباطن بمنزلة الماء والتراب، والروح خفيف الباطن بمنزلة الهواء والنار، وكأن العقل متسع الباطن بمنزلة اتساع النور في كلية الكون علواً وسفلاً - قاله الحرالي.
وقد دل على أن المراد الباطل بالتعبير بالهوى والنفس {استكبرتم} أي طلبتم الكبر وأوجدتموه بما لكم من الرئاسة على قومكم عن قبول الحق ميلاً إلى سنة إبليس مع إعطائكم العهد قبل ذلك على الدوام على اتباعه {ففريقاً} أي فتسبب عن طلبكم الكبر أنكم فريقاً {كذبتم} كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام {وفريقاً تقتلون} أي قتلتم ولم تندموا على قتلهم بل عزمتم على مثل ذلك الفعل كلما جاءكم أحد منهم بما يخالف الهوى وهم لم يبعثوا إلا لصرف الأنفس عن الهوى لأن دعوة الرسول إلى الأعلى الذي هو ضد هوى النفس؛ والظاهر أنه سبحانه أشار بهذه الصيغة المستقبلة إلى قتلهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسم في خيبر [1] .
[1] يقول الزرقاني في"شرح المواهب اللدنية":"ومن المعجزة أنه لم يؤثر فيه في وقته، لأنهم قالوا:"إن كان نبياً لم يضره، وإن كان مَلِكاً استرحنا منه"، فلما لم يُؤثِّر فيه تيقَّنوا نبوته حتى قيل: إن اليهودية أسلمت، ثم نقض عليه بعد ثلاث سنوات لإكرامه بالشهادة."
ومما سبق يُعْلَمُ أن الحُمَّى التي أصابته صلى الله عليه وسلم قبل موته كانت من أثر السُّم الذي تناوله بخيبر، فلم يضره ذلك السُّم طول حياته، ولم يؤثر عليه في ذلك الوقت -غير ما أثر بلَهَوَاتِهِ وغير ما كان يعاوده منه في أوقات- فقاد الجيوش بعد ذلك ودخل المعارك الكبرى وانتصر فيها، وفاوض الأعداء، واستقبل الوفود، ومارس حياته العادية، حتى وافاه الأجل المحتوم بصورة طبيعية، فأحدث الله تعالى ضرر ذلك السُّم في النبي صلى الله عليه وسلم فتوفي بسببه، كما قال صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه:"مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنَ الأَكْلَةِ الَّتِى أَكَلْت بِخَيْبَر فهذا أَوَان قَطَعَتْ أَبْهَرِى".
فجمع الله لنبيِّهِ بين النبوة والشهادة؛ مبالغةً في الترفيع والكرامة، وعلو المنزلة عند الله تعالى، ولينال مَقَام الشهداء مع مَقَام النبوة؛ ولذلك كان ابن مسعود والزهريُّ وغيرهما يرون أنه صلى الله عليه وسلم مات شهيداً من ذلك السُّم، والله أعلم. اهـ (منقول عن موقع طريق الإسلام) .