فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 2940

{وأنفقوا} وأظهر ولم يضمر إظهاراً للاعتناء بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال: {في سبيل الله} أي الملك الذي كل شيء تحت قهره كما قال: {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة: 190] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد أكثر، أي ولا تخافوا العيلة والضيعة فإن الله ربّكم هو الذي أمركم بذلك {والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً} [البقرة: 265]

قال الحرالي: فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء، وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى.

فقال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} من الهلاك وهو تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل فيجترئ عليكم العدو فلا يقوم لكم قائمة فإنّ البخل أسرع شيء إلى الهلاك، وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك، وقيل: إنه لا ثاني له في كلامهم، وحقيقة أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة بها مالكة لصاحبها.

وقال الحرالي: إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام فيتطرق إلى هدمه، ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى.

وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال: حسن صحيح - والنسائي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه: «إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه وقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا في أموالنا! فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو»

وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: نزلت في النفقة».

{وأحسنوا} أي أوقعوا الإحسان على العموم بما أفهمه قصر الفعل وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق وظنوا بالله الحسن الجميل، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم {إن الله يحب المحسنين} .

قال الحرالي: فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع الإحسان في المال، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها، فكما كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه، فكان إعراضهم تابعاً لترك المهاجرين أموالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت