فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 66

فهذه الآثار صحيحة صححها أهل العلم, وقول الصحابي في ما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وخاصة قول عبد الله بن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن, وهو قول مؤيد بظاهر أدلة القرآن الكريم.

وقد رجح بعض العلماء أن قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} يراد به الإنزالان:

النزول الأول: جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، كما جاءت الأدلة التي توضح ذلك.

والنزول الثاني: ابتداء نزوله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أيضًا قول صحيح كما روى الإمام أحمد في المسند من حديث وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ) .

وَهَذَا كُلّه مُطَابِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ} ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون لَيْلَة الْقَدْر فِي تِلْكَ السَّنَة كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَة, فَأُنْزِلَ فِيهَا جُمْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا, ثُمَّ أُنْزِلَ فِي الْيَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرِينَ إِلَى الأَرْض أَوَّل قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} .

المطلب الثاني: نزول القرآن منجمًا على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم:

وهذا النوع من النزول قد تضافرت عليه الأدلة الكثيرة في القرآن والسنة من خلال أدلة تثبت نزول القرآن عليه، وأخرى تثبت تنجيم النزول، من ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} , وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} , وقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} , وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} .

ومن الأدلة التي تثبت تنجيم نزول القرآن عليه قوله تعالى: {وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} , قال ابن كثير وقوله {وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ} أما قراءة من قرأ بالتخفيف فمعناه: فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا , ثم نزل مفرقًا منجمًا على الوقائع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث وعشرين سنة.

وعن ابن عباس أنه قرأ"فرَّقناه"بالتشديد, أي أنزلناه آية آية، مبيَّنًا، ومفسرًا.

وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} .

كما أن الأدلة الكثيرة المتضافرة في السنة النبوية التي توضح كيفية نزول جبريل بالقرآن الكريم لآياته وسوره تقطع الشك في نزوله منجمًا على قلبه , وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمعه من جبريل بأذنيه , ووعاه بقلبه , وبلغه للناس كما سمعه.

الحكمة من نزول القرآن منجمًا على النبي - صلى الله عليه وسلم:

لنزول القرآن الكريم منجمًا على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - في بضع وعشرين سنة حكم كثيرة منها ما نص عليه القرآن الكريم أو السنة النبوية , ومنها ما استنبطه العلماء، وما زال المجال واسعًا أمام الباحثين لاستنباط المزيد من الحكم , وإليك الحديث عن بعضها:

1 ـ تثبيت فؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم:

هذه الحكمة قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت