وقد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل الذي ليس عنده مهر بما معه من قرآن تشجيعًا لهم على الحفظ، فدلَّ على فضل القراءة عن ظهر قلب لأنَّها أمكن في التوصُّل إلى التعليم.
ولذا تنافس الصحابة على حفظه، وتلاوته، وفهمه, تاركين لذيذ النوم, وهاجرين دفئ الفراش, وهجيع الليل, للقيام بتلاوته, والتدبر لمعانيه التي هي أعظم ما يستمتع به أهل الإيمان في ليلهم، ولذا كان يسمع لبيوتهم دويًَّا كدويّ النحل من تلاوة القرآن، والقيام به في الليل, وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستمع إلى هذه الأصوات العذبة المنبعثة بين هذه البيوت المباركة وقلبه منشرح بذلك, مشجعًا لهم على ما يسمع ويرى، كما قال لأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -.
ولكن هنالك أسباب أخرى غير تشجيع النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم ساعدت على إقبال الصحابة على حفظ القرآن الكريم منها:
غلبة الأميَّة, وعدم توفر وسائل الكتابة, والكُتَّاب، قوة الحفظ التي تميَّزوا بها, وهي نتيجة العروبة الخالصة المعروفة بهذا التميز، ومنزلة القرآن العظيمة في نفوسهم, جعلتهم يقبلون عليه بهمة لا تعرف التراخي وغيرها من أسباب. ومن هنا فقد حفظ القرآن الكريم عدد كبير من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته وبعد مماته.
وقد تلقَّى التابعون القرآن عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حفظًا وفهمًا , خاصة من أولئك الذين تفرغوا لتدريسه كابن عباس , وابن مسعود , وزيد بن ثابت , وأبي بن كعب , وغيرهم.
لذا استمر حفظ القرآن وجمعه في الصدور في هذه الأمة منذ تلك القرون المفضلة إلى يومنا هذا بسند متصل جيلًا عن جيلٍ لم ينقطع في فترة من تاريخها الطويل.