والتدرج مع النفوس في تطبيق أحكامه, وذلك لأن منهج التدرج في التربية والتعليم والتغيير له أثر كبير في تحقيق الأهداف المرجوة وتقبل المكلفين للدعوة؛ وذلك لأن الناس لا يمكن أن يتخلوا عن عقائدهم وعاداتهم وتقاليدهم وسلوكياتهم بين يوم وليلة, وفي ذلك تعليم للأمة في كل زمان ومكان أن الإصلاح الاجتماعي يحتاج إلى أولوية في الخطاب, وقراءة لواقع الدعوة, ومعرفة تامة بنفسية المخاطبين وعاداتهم وعقائدهم وطاقاتهم, وأن ترك هذا الفقه الذي نتعلمه من تتبع نزول القرآن لمعالجة ذلك الواقع تخل عن منهج الله الذي رسمه للإصلاح, وسبب من أعظم أسباب فشل بعض الدعاة.
فالتخلي عن الباطل يحتاج إلى تدرج , كما أن التحلي بالحق يحتاج إلى فقه واسع في التدرج حتى تبلغ النفوس البشرية مبلغًا في الكمال الذي يريده الله, ولا بد أن يكون التدرج وفق منهج الأولويات، ومن هنا بدأ الإسلام في تربيتهم بقضايا الإيمان وأصول الأخلاق ثم تدرج في فرض العبادات ابتداءً بالصلاة ثم الصيام ثم الزكاة ثم الحج, وتدرج معهم في فضائل الإسلام وشعائره الأخرى، فلو نزلت الفرائض جملة لثقل على قلوبهم تقبلها , ولذلك أنزله الله وفق علمه وحكمته بما يصلح مع نفوس البشر.
فالقرآن الكريم من خلال نزوله آيات يدل على أنه من عند الله العزيز الحكيم؛ وذلك من خلال التتبع لما نزل أولًا وما نزل آخرًا، وما بينهما، في بضع وعشرين سنة، وفي أماكن مختلفة, وأزمنة متباينة, وأحوال متنوعة, لكننا لا نجد فيه اختلافًا بين آياته، وكلماته، وحروفه, فألفاظه متشابهة، ومعانيه محكمة, وأسلوبه كله فريد متناسق لا اختلاف ولا تضاد، كما قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} .