فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 66

تولَّى أمر الأمَّة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - , وقد واجهته فتنة عظيمة , من أبرزها ارتداد بعض القبائل العربية عن الإسلام , وامتناع بعضها عن أداء الزكاة , مما دعا الصديق - رضي الله عنه - إلى أن يحزم أمره , ويجرد جيوشه لمقاتلة المرتدين ,والمانعين.

وكان قوام هذه الجيوش أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن أبرزهم حملة القرآن الكريم , وقد اشتد القتل بالمسلمين في معركة اليمامة, وقتل الكثير من الصحابة، ومن حملة القرآن؛ وذلك لشراسة المعركة, وكثرة المرتدين حتى قيل أن الذين قتلوا خمسمائة، وقيل سبعمائة, وقيل أكثر، فخشي الفاروق عمر - رضي الله عنه - أن يشتد القتل بالقرَّاء في المواضع الأخرى فيضيع شيء من القرآن بمقتل حملته في المعارك, إذ العلم يقبض بقبض أهله, ولذا جاء إلى الصديق - رضي الله عنه - وحثَّه على جمع القرآن في مكان واحد، على مصحف إمام, بدلًا من العسب, والرقاع, واللخاف, ونحوها. فتردد الصديق في بداية الأمر؛ خوفًا من إحداث شيء في الدين لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك لشدة حرصه على الاتِّباع, وخوفه من الابتداع، ولكن مراجعة عمر المتكررة له جعلته يطمئن إلى ما اطمأن إليه عمر؛ في أنَّ جمعه في مصحف ليس عملًا محدثًا, وإنَّما هو امتداد لما سنَّه النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما أنَّه محقِّق لمصالح عظيمة دعت الحاجة إليها لحفظ القرآن الكريم من الضياع , وقد ورد في صحيح البخاري ما يوضح كل ذلك في رواية زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رضي الله عنه - قَالَ: (( أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ عند مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ , قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي , فَقَال: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآن ِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ؛ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآن ِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ , وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ , عَاقِلٌ، لا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت