فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 74

أما في حالة إدخال النقود في الصورة فأن الأمر لا يتغير شيئًا وذلك لأن النقود عند"ساي"وغيره من التقليديين ليست إلا وسيلة تسهل التبادل، وتزيد في فعاليات الإنتاج، فهي ذات طبيعة أو وظيفة محايدة، ويعتقد التقليديون من"ساي"و"ريكاردو"أنه كلما عرضت منتجات في السوق فإنه يخلق تلقائيا طلبا مساويا في قيمته للدخول التي وزعت عوامل الإنتاج المشتركة في إنتاج هذه المنتجات، أي أن مجموع كلف الإنتاج تستدعي وبالضرورة من الجماعة وبأسرها أن تتفق وبطريق مباشر أو غير مباشر لشراء الإنتاج، وبالرغم من أن هذا المبدأ في النظرية التقليدية غير صريح إلا أنه يفهم من القانون الذي تواضعوا عليه: هو (( إن العرض يخلق طلبه الخاص ) )، وقد شرحه (ستوارت مل) في مبادئ الاقتصاد السياسي حيث بين أن (( وسائل دفع ثمن البضائع هي البضائع نفسها والأدوات التي يملكها كل فرد لدفع ثمن إنتاج الآخرين هي المنتجات الموجودة في حوزته والبائعون هم بالضرورة وبالمعنى الحقيقي للكلمة مشترون، لو استطعنا مضاعفة طاقة البلد الإنتاجية فجأة لتضاعف عرض البضائع في كل الأسواق ولضاعفنا القدرة الشرائية في نفس الوقت ولضاعف كل الناس طلبهم وعرضهم معا ولأصبح كل فرد قادرا على مضاعفة كمية الشراء، لأن كل فرد يعرض بالمقابلة كمية مضاعفة ) ).

لقد ظل قانون (ساي) هو الأساس الذي بنيت عليه معظم الكتابات السابقة على الثورة الكينزية باعتباره التفسير الصحيح لكيفية عمل النظام الاقتصادي، وان القول بإمكان نقصان الطلب بصفة عامة، ومن ثم وجود حالة عامة من فائض الإنتاج يعد خروجا عن الإجماع، ويلاحظ أن هناك من الاقتصاديين حتى في الفترة المبكرة وقبل ظهور (كينز) من عارض هذا القانون مثل (مالتس) الذي حارب محاربة عنيفة نظرة (ريكاردو) القائلة بأن الطلب الفعلي لا يسعه أن يكون غير كاف إلا أن (مالتس) لم يتوصل إلى إعطاء نظرة قادرة على أن تحل محل النظرة المهاجمة، لأنه لم يفسر كيف ولماذا يمكن الطلب الفعلي أن يكون غير كاف؟ وقد غزا (ريكاردو) إنكلترا غزوًا تامًا كما غزت محكمة التفتيش إسبانيا فلم تقبل نظريته فقط في أوساط (بوسطه لندن) ورجال الدولة والجامعة، بل إن كل جدل قد توقف وسقط المفهوم الآخر في زوايا النسيان التام، وانقطع حتى مجرد البحث فيه واختفت أحجية الطلب الفعلي الكبرى التي تصدى لها (مالتس) من الإنتاج الأدبي الاقتصادي حتى إننا لا نجدها مذكورة مرة واحدة في كل مؤلفات (مارشال) و (أدجورث) و (بيجو) الذين أعطوا النظرية الكلاسيكية اكمل شكل لها، ولم تتمكن من البقاء إلا خلسة في حمى (كارل ماركس) والماجور (دوجلاس) .

واذا كانت محاولة مالتس قد باءت بالفشل وطواها النسيان فإن (كينز) قد استطاع إقناع الكثيرين من مواطنيه أن يأخذوا مأخذ الجد العديد من نظرياته التي كان يعدها أغلب الاقتصاديين المحترفين ضربا من ضروب الجنون، ويرجع هذا إلى كفاءته النادرة، والى ظروف الأزمنة التي كان يكتب في ظلها، لقد عارض (كينز) النظرية التقليدية ورأى أنها وان بدت في شكلها منطقية إلا أنها لا تنطبق على العالم الحقيقي ذلك، لأن الحالة التي افترضها وهي حالة (العمالة الكاملة) من غير الممكن أن تتحقق في صورة الوضع الاقتصادي المعتاد بطبيعته التلقائية وبدون تدخل في عمل القوى التي تحكمه لأن معادلة العرض والطلب إنما تصح لا مع عوامل الإنتاج العاملة وحدها بل وغير العاملة أيضا، لأنه ليس هناك من الوجهة الطبيعية ما يجعل بعض العوامل التي تعجز عن أداء وظيفتها، تؤدي تلك الوظيفة في حالة انعدام وجود إجراءات محددة لتحقيق هذا الغرض.

نعم من الممكن الوصول إلى العمالة الكاملة وذلك في حالة التدخل في تسيير القوى التي تحكم النظام الاقتصادي، وذلك إنما يتحقق بشيئين أحدهما: وهو الميل إلى الاستهلاك (دالة الاستهلاك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت