فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 74

وثانيهما: الاستثمارات الجديدة (دالة الاستثمار) فالميل إلى الاستهلاك ومقدار التوظيف الجديد هما اللذان يحددان معا حجم الاستخدام ولا يمكن إن يتحقق توازن الدخل عند مستوى العمالة الكاملة إلا في حالة واحدة وهي عندما توجد علاقة محددة بين حجم الاستثمارات الجديدة ودالة الاستهلاك مفادها أن يكون حجم الإنفاق على الاستثمارات الجديدة مساويا تماما للفرق ما بين حجم الدخل القومي عند مستوى العمالة الكاملة وحجم الإنفاق (الاستهلاك) الذي يتناسب مع هذا المستوى.

وهكذا تكون العمالة هي حالة واحدة من حالات متعددة في طرفها الآخر البطالة وهذه الحالة حالة مثالية كما عبر عن ذلك (كينز) من أن الطلب الفعلي الذي يتناسب مع مستوى العمالة الكاملة هو حالة خاصة وهو يتحقق فقط عندما يتخذ كل من الميل للاستهلاك، والدافع على الاستثمار أحدهما في مواجهة الآخر شكل علاقة معينة وهذه العلاقة المعينة هي التي تتناسب مع الافتراضات التي تقوم عليها النظرية التقليدية، وهي علاقة مثلى لا يمكن أن توجد إلا إذا حدث - سواء بالصدفة أم بالقصد - أن قدم الاستثمار الجاري مقدارا من الطلب مساويا تماما لمقدار الزيادة في ثمن العرض الكلي للناتج عند مستوى العمالة مما يرغب الجميع من إنفاقه عند هذا المستوى.

وفي الحقيقة فإن النظرية التقليدية بافتراضها العمالة الكاملة أساسًا، قد كانت مسرفة في التفاؤل (1) ذلك، لأن الوصول إلى تلك العلاقة المثلى بين الاستهلاك والاستثمار غير ممكن في كل الأحوال، ويرجع ذلك إلى طبيعة الاستثمار أكثر من رجوعه إلى طبيعة الاستهلاك فالميل إلى الاستثمار محكوم باعتبارات متعددة ومختلفة بعضها متوقف على توفر الفرصة المربحة، وبعضها الآخر على درجة المخاطرة، بالجملة فإن الاستثمار متوقف على ما يقوم به المنظمون الخصوصيون والعموميون من نشاط، وإذا ما قل الاستعداد لسبب من الأسباب لاستغلال الأموال في شراء أدوات الإنتاج فلابد من انخفاض الطلب على الأيدي العاملة وبالتالي تدني الدخل والاستهلاك معًا.

وإذا ما انتهينا إلى أن الاستثمار هو العامل الأكثر تقلبًا من فترة إلى أخرى - وقد يحدث هذا بصفة مفاجئة - من بين العوامل التي يتوقف عليها حجم العمالة في الاقتصاد القومي فمعنى هذا أن الاستثمار هو المحدد الأهم لمستوى العمالة وهكذا ينتهي (كينز) إلى أن البطالة إنما تحدث أساسًا نتيجة لنقص هذا الإنفاق عن المقدار اللازم لتعويض الادخار الكلي عند مستوى العمالة، وتأسيسًا على هذا لا يمكن إن تكون الأجور المرتفعة منفردة هي السبب الرئيسي في البطالة وإنما يرجع ذلك لسبب آخر في نظر (كينز) وهو أن كل مدفوع له جانبان فالذي يتسلمه يحصل على دخل يوازي ما ينفقه من يدفع ولا أكثر من ذلك والدخل ينساب في دائرة حول النظام الاقتصادي، فإذا حصل هبوط في الطلب العام فالسبب لا محالة هو انكماش في أسباب الدخل، وهنا لابد من معرفة الأسباب التي تؤدي إلى هذا الانكماش، ومن الذي يمنع المال من الجريان في دائرته حول الاقتصاد؟

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أو كما عبر (كينز) بقوله: (( هذا التفاؤل الشهير الذي صار ينظر إلى الاقتصاديين بسببه على أنهم مثل كانديه - وهو بطل قصة لفولتير معروف بهذا الاسم - هجروا العالم ليزرعوا بستانهم، وصاروا يعلمون بأن العالم على أحسن ما يرام ولكن بشرط أن نطلق له العنان فيرجع فيما نعتقد إلى الجهل بالعائق الذي يضعه نقص الطلب الفعلي في وجه الازدهار، وربما كانت النظرية الكلاسيكية تصف الطريقة التي تتمنى يسير ان اقتصادنا بمقتضاها ولكن الافتراض بأنه يسير حقا على هذه الصورة يعني افتراض جميع المصاعب محلولة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت