للإجابة على هذا نقول ظلت النظرة التقليدية تذهب إلى أن كل فعل ادخاري فردي يؤدي لا محالة ويعادل توظيفًا للعمل والبضائع غير اللازمة للحاجة الاستهلاكية في إنتاج السلع التجهيزية وأن كل عملية من عمليات الادخار تضمن في الوقت ذاته استثمارًا مماثلًا في الرأسمال الحقيقي مما يؤدي إلى سحب نسبة كافية من السلع تؤدي إلى زعزعة مركز تكاليف الإنتاج بحيث تجعلها أسعارًا مربحة تؤدي إلى الإبقاء على عوامل الإنتاج في حالة نشاط دائم ومن ثم فأن الادخار الفردي قد يساعد على التوظيف الجاري بقدر ما ينقص الاستهلاك الحالي، أو كما عبر مارشال (( إن دخل كل فرد ينفق بتمامه في شراء البضائع والخدمات لا شك في انه يقال عادة أن الإنسان ينفق جزء من دخله ويدخر الباقي، ولكنها حقيقة اقتصادية مألوفة إن المرء يشتري البضائع والعمل أيضًا بالقسم المدخر كما بالقسم المنفق بالمعنى العادي للكلمة ) ) (1) .
إن (كينز) وقبله (ويكسل) يذكر هذه النظرية التقليدية ويصفها بالسخف والمغالطة ذلك، لأن تطبيق هذه النتائج على نوع الاقتصاد الذي بلا تبادل (2) وان التفكير المعاصر لم يزل مشوبًا بالفكرة القائلة (( إن النقود إذا لم تنفق بهذه الصورة فستنفق بصورة أخرى ) )وهي بعد هذا تخلط بين نشاطين مختلفين اختلافًا جوهريًا وذلك بإقامتها رابطة عفوية بين قرارات الامتناع عن استهلاك مباشر بقرارات استهلاك مقبل في حين أنه ليس هناك ثمة علاقة بين الدوافع المعينة للقرارات الأولى والدوافع المعينة للثانية وذلك، لأن قرارات الاستثمار وقرارات الادخار منفصلة في المجتمع الاقتصادي الحديث فيندر جدًا أن يكون الأفراد الذين يقررون بناء المصانع هم أنفسهم الذين ادخروا نقودهم من أجل دفع ثمن هذه المصانع، ففي الاقتصاد النقدي الحديث ليس هناك تلك الحلقة التلقائية المباشرة بين الادخار والاستثمار ذلك، لأن مجرد الامتناع عن الاستهلاك لا يخلق طلبًا ما على السلع وان خلق مثل هذا الطلب لا يتم إلا إذا رافق كل عملية من عمليات الادخار استثمار مماثل في شراء معدات الإنتاج.
ولكن لما كان المدخر يدفع نقوده إلى شركة التأمين وبنوك التوفير فأن هذه النقود قد لا تأخذ طريقها نحو استثمارات جديدة كبناء المصانع والمعدات خصوصًا في أوقات الكساد والازمات الاقتصادية وفي هذه الحالة تحبس النقود عن الاستهلاك قدرًا أكبر أو أقل مما ينفق في الاستثمار مما يسبب الهبوط والارتفاع في مجرى الدخل الكلي ذلك لأن دخول أهل بلد ما هو يحدد إنفاقهم أي طلبهم الكلي الكامن وذلك في حالة الإنفاق. أما الجزء المدخر فإنه لا يمكن أن يكون جزء من الطلب إلا في حالة توظيفه في استثمارات جديدة، ولكن مع ذلك فأن الادخار إذا زاد على الاستثمار فأن جزء من المال سيحبس من رصيد الإنفاق فيقصر الطلب في هذه الحالة وتنخفض الأسعار. أما في حالة ما إذا حصل العكس وزاد الاستثمار على الادخار فأن الطلب الكلي سيزيد وفي نفس الوقت ترتفع الأسعار ولكن في كل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وفي الحقيقة فإن المذهب التقليدي لم يعد يشرح اليوم بمثل هذه الصورة الفجة كما هو واضح من كتابات (مارشال) و (ادجوورث) و (بيجو) ولكن هذا لا يمنع انه الأساس الذي لم تزل تستند إليه العقيدة الكلاسيكية.
(2) المقصود بالاقتصاد المتبادل: هو اقتصاد (روبنسون كروزو) وطبقًا لهذا الاقتصاد الذي لا وجود للنقود فيه فالقرار بالادخار دائما يعني وبالضرورة قرارا بالاستثمار في الوقت نفسه فالاستثمار والادخار ليسا متساويين فحسب بل هما نفس الشئ تماما فهما مجرد طريقتين مختلفتين لنفس القرار فإذا قرر (كروزو) تمضية الصباح في عمل شبكة للصيد فهو قد قرر في نفس الوقت ادخار صباحه بامتناعه عن استهلاكه إياه فهو قد رفض استخدام صباحه في صيد السمك فهو قد امتنع عن الاستهلاك وبطريقه تلقائية، أما في الاقتصاد النقدي فلا وجود لهذه الحلقة التلقائية بين الادخار والاستثمار.