وإذا قارناه بالأحاديث التي ذكر فيها الإيمان مفردًا نجد أنها تفسر ذلك ولا تناقضه، فهنا لما ذكرهما معًا فسر حقيقة كل منهما، بأن هذه هي الأعمال الظاهرة، وهذه هي الأعمال الباطنة، لكن في حديث وفد عبد القيس، قال: {أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله} مع أنه في حديث جبريل جعلها الركن الأول من أركان الإسلام أي الأعمال الظاهرة وكذلك في حديث الشعب:
{الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله} جعلها من الإيمان فكيف نجمع بين نصين يدل أحداهما على أن الشهادتين من الإسلام وآخر يدل على أنهما من الإيمان؟
نقول: هذا دليل على أن الإيمان حقيقة مركبة من الظاهر والباطن معًا، لكن إذا قُرِنَا معًا، بُيِّنَت حقيقة الأعمال الظاهرة وأنها تسمى في عرف الشارع إسلامًا، وحقيقة الأعمال الباطنة وأنها تسمى إيمانًا، أي مرتبةً من مراتب الدين، فإذا ذكر الإسلام وحده، كما قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ [آل عمران:19] فالدين عند الله فعل هذه الأركان جميعًا الظاهر منها والباطن، وإذا ذكر الإيمان وحده يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء:136] فمعنى آمنوا بالله ورسوله، أي اعملوا الأعمال الظاهرة والباطنة، من أعمال الإيمان.
إذًا: مجموع هذه الأحاديث وهذه الآيات يدل على أن هذه الحقيقة مركبة، فأحيانًا تذكر الحقيقة ويذكر الجزء الأول منها (الباطن) ويذكر الجزء الظاهر منها، ويعرف أن الإيمان يتركب منهما معًا، وأحيانًا يذكر واحد منهما لأنه يتكلم عنهما على أنهما حقيقة واحدة وأمر واحد لا فرق فيه ولا اختلاف.