ثم هاهنا مسألة يمكن إثارتها في هذا الموضع وهي: كيف يكون المعنى الاصطلاحي للفظةِ الإيمان مخالفا لمعناه اللغويِّ؟ فلْيُعلمْ بأنه اختُلف في إطلاق الألفاظ الشرعية كالصلاة والإيمان وغيرها على معانيها، على أقوال ثلاثة مشهورة:
أن الشارع نَقَلَها عن مسماها في اللغة إلى مسمى آخر.
أن الشارع تصرَّف فيها تصرُّف أهلِ العرف، فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة.
(1) -اللالكائي: 5/ 956.
(2) -مجموع الفتاوى: 7/ 170.
(3) -انظر مجموع الفتاوى: 7/ 170 - 171.
أن الشارع لم ينقلها ولم يغيِّرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة (1) . وهذا القول الثالث هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدل عليه بأدلة متعددة وطويلة (2) .
والمسألة تبحث في علم أصول الفقه، فلتنظر تفاصيلها هناك (3) .
وإذا علم هذا، فإن الألفاظ الموجودة في الكتاب أو السنة يُنظر في بيان المراد بها إلى مقصود الشارع لا إلى اللغة أو العُرف الحادث. ألا ترى أننا إذا قرأنا في الكتاب أو السنة أمرا بإقامة الصلاة فإن أذهاننا تنصرف إلى وجوب إقامة تلك العبادة المخصوصة التي تبدأ بالتكبير وتختم بالتسليم؟ ونفس الشيء يقال بالنسبة لألفاظ أخرى كالزكاة والصوم والحج وغيرها.
ولفظ الإيمان - ومثله ألفاظ الإسلام والنفاق والكفر والفسق وغيرها - من هذا النوع، فلا ينبغي أن يؤخذ تعريفُها إلا من بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يقول شيخ الإسلام رحمه الله:» فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّنَ المراد بهذه الألفاظ بيانا لا يُحتاج معه إلى