يشاركها في خصائص عديدة" [1] ، ويحضر الإبداع حينئذ على أنه الوسيلة الأمثل في إضفاء المتعة والتشويق والإثارة وخلق الدهشة في فنون الأدب المختلفة، والارتحال بالقراء والمتذوقين من زمن إلى آخر وفق آليات الموهبة الإبداعية وقدرتها على الجذب ولفت الانتباه."
إن كل من يتأمل الفنون الإبداعية المكتوبة سيجد أنها تخضع لمقاييس لا يلتزم بها أي شكل كتابي غير إبداعي لتبرِّر وجودها وحرفيتها، ولا يتم تذوقها بالطبع إلا وفق مستوى تلقي العقل وقدرات الأفراد المختلفة؛ لأن الكتابة الإبداعية في حقيقتها ما هي إلا"ادعاء كوني يفوق الذات الفاعلة ويتمدد من فوقها متجاوزًا إياها وكاسرًا ظروفها وحدودها، والكاتب حينئذ يتحول من فرد عادي إلى نموذج ثقافي يتسم بصفات وجودية وصور ذهنية وهيئات تخييلية تتجدد فيه وتتولد له مع تقلب حيوات النص" [2] .
ليس غريبًا أن تتزاوج المواهب داخل المبدع، فلربما وجدنا شاعرًا وروائيًّا في آن، لكن الشاعر حينما يودُّ أن يكتب عملًا روائيًّا فعليه أن ينفصل عن موهبته الشعرية، وأن يكتبها بأدواتها وتقنياتها الفنية المتبعة والروائي الشاعر كذلك، لأن كل فن كما هو معروف له اشتراطاته الكتابية ولغته الخاصة و عملية الإبداع في الشعر تختلف حينئذ عنها في النثر.
إن من يكتبون النثر الفني الخالص من قصة ورواية ومسرحية سنجد أنهم"لا يعانون من أية مشاكل أو نزوات وشطحات سيكولوجية -بحسب نزار قباني-؛ فهم يمشون مشيًا طبيعيًّا ويسيرون على الأرصفة المخصصة للمارة، أما الشعراء فهم يؤدون رقصة متوحشة يتخطّى فيها الراقص جسده ويتجاوز الإيقاع الموضوع ليصبح هو نفسه إيقاعًا" [3] ، وهذا ما يعزّزه أيضا الشاعر الفرنسي بول فاليري في حديثه عن علاقة النثر بالشعر؛"لتشبه تمامًا صلة المشي بالرقص فالمشي له غاية محددة تتحكم في إيقاع الخطو وتنظم شكل الخطو المتتابع الذي ينتهي بتمام الغاية منه. أما الرقص فعلى العكس من ذلك بالرغم من استخدامه أجزاء وأعضاء الجسم التي تستخدم في المشي إلا أن له نظام حركات هي غاية في ذاتها" [4] .
(1) طودوروف، نرفيطان، الأدب في خطر، ترجمة: عبدالكبير الشرقاوي، (الدار البيضاء: دار توبقال، 2007 م) ، ص 9.
(2) الغذامي، عبدالله محمد، الكتابة ضد الكتابة، (بيروت: دار الآداب، 1991 م) ، ص 7.
(3) قباني، نزار، قصتي مع الشعر، ط 9، (بيروت: منشورات نزار قباني، 2000 م) ، ص 20.
(4) هلال، محمد غنيمي، النقد الأدبي الحديث، (القاهرة: دار نهضة مصر، 1997 م) ، ص 359.