فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 148

وقد أوضح الشاعر الفرنسي بودلير فكرة الإبداع في الشعر بقوله:"إن الشعر ليس موضوعه الحقيقة وليس له موضوع سوى الشعر ذاته" [1] .

لقد كان على الشاعر الصيني ووكياو عندما سئل عن الإبداع في النثر والشعر أن يجيب:"عندما تكتب النثر فإنك تطبخ الأرز، وعندما تكتب الشعر فإنك تحول الأرز إلى نبيذ، إن طهو الأرز لا يغير شيئًا من شكله لكن تحويله إلى نبيذ يغير شكله وخصائصه" [2] .

ليسوا وحدهم كتّاب النثر الفني القادرين على الكتابة عن كل شيء، بل إن الشاعر الحقيقي باستطاعته أن يستخلص مادته الشعرية من كل شيء يراه ويتفاعل معه، أي أن الموجودات بما فيها الأشياء التافهة قابلة لأن تتحول إلى لحظات شعرية، بعد أن يكون الشاعر قد تأثر بها وحاورها وتجاوبت نفسه مع تداعياتها المختلفة؛"فيصبح النفاذ إلى جوهر الأشياء الصغيرة هو مادة الشعر وينبوعه"-بحسب عبدالوهاب البياتي- [3] .

حتى على مستوى ابتكار المعاني واستخلاصها؛ فباستطاعة الشاعر استدعاء المعاني المبتذلة والارتقاء بها، وقد أوضح ذلك الشاعر الأصمعي في وصفه لأشعر الناس حينما قال:"أشعر الناس من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرًا أو إلى المعنى الكبير فيجعله بلفظه خسيسًا، كما بين ذلك ابن رشيق في قوله: إن الشاعر إذا لم يكن عنده توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر، كان اسم الشاعر عليه مجازًا لا حقيقة ولم يكن له إلا فضل الوزن" [4] .

لا جدال أن الإبداع في الشعر يحضر في كل شيء ويخرج من كل شيء، ويظل امتلاك الشاعر لعناصر الشعر, العاطفة الصادقة والخيال القوي والأسلوب الرصين والموسيقى المؤثرة، هي الطرق المثلى إلى الإبداع في الشعر، وتأتي مهارة الشاعر حينئذ في"ملاءمته الدقيقة بين ألفاظه ومعانيه بحيث لا"

(1) طودوروف، مرجع سابق، ص 36.

(2) بارنستون، توني، وبينغ تشاو، فن الكتابة تعاليم الشعراء الصينيين، ترجمة: عابد إسماعيل، (دار المدى: 2004 م) ، ص 12.

(3) البياتي، عبدالوهاب، تجربتي الشعرية، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1993 م) ، ص 21.

(4) الجاحظ، أبو عثمان، الحيوان، (طبعة الساسي، الجزء الثاني، ص 131) ، كما ينظر: محمد ياسر شرف، مرجع سابق، ص 68 - 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت