"وكما أن الحجر أو البرونز هما مادة النحت، والألوان هي مادة اللوحة التشكيلية، والأصوات هي مادة الموسيقى؛ فإن اللغة هي مادة الأدب" [1] . والشعر بالذات على ارتباط وثيق باللغة التي يستخدمها الشاعر، وتكشف عن محصوله اللغوي من المفردات والمعاني وبقدرته على توظيف الألفاظ وفق الصور التي خلقها من واقعه وعلاقته المستمرة بعصره وتعايشه مع المجتمع، وتصبح مهمة الشاعر"ابتكار اللغة التي تستطيع أن تعبر عن ذاتيته ومشاعره" [2] .
لقد لجأ الكثير من الشعراء اليوم إلى استثمار ما يسمى بـ"اللغة البيضاء"تلك التي يستعملها الناس في حياتهم اليومية ويفهمها الجميع ويتحدثون بمفرداتها دون أن تخلَّ بضوابط وقواعد النحو والصرف عند توظيفها في النص الشعري؛ فليس غريبًا -مثلًا- أن نرى اللغة التي صنعها شاعر كبير كنزار قباني متطورة ومتجاوزة لقصائد مجايليه من الشعراء؛ لأنها بمثابة"جداول طافحة بالصور غير المسبوقة في الشعر العربي القديم، ومعظمها تمت صياغتها بكلمات اللغة اليومية المتداولة" [3] .
إن شكلًا شعريًّا كقصيدة النثر لا يرى الباحث أنها تحتمل ألفاظًا قاموسية، تلك التي تُستخرج استخراجًا من المعاجم وتُفرض فرضًا على الشعر، فتسيطر على حيويته ورشاقته، ولربما كبَّلت الصور الشعرية وقلّلت من نشاطها وحركة الموسيقى الداخلية. وقد انتبه كثير من شعرائها للغة القصيدة، وحرصوا على أن تكون مفرداتها قريبة من الناس ومألوفة لديهم مع الحفاظ على جودة الشعر وطزاجته؛"لأن اللغة والفكرة في الشعر -بحسب هـ كومز- شيئان لا ينفصلان. والخبرة الشعرية ليست استخدامًا لمجموعة من الأفكار المتداولة، ولكنها إفاقة حسية وعاطفية وذهنية على معنى الحياة" [4] . ولربما لمسنا ذلك في قصائد شاعر عربي هو محمد الماغوط الذي عدَّه الكثير من النقاد شفيعًا لقصيدة النثر العربية.
لقد كان الشاعر في مرحلة مضت من الحياة العربية هو الصوت الأوحد للقبيلة، والمعبِّر عن قضاياها وأمجادها؛ لكنه اليوم ليس كذلك بطبيعة الحال، ولم يعد يعني الشاعر كثيرًا قضايا الجماهير والتعبير عن احتياجاتها ومتطلباتها، وابتعد عدد كبير من الشعراء عن لغة النحن والجماعة إلى لغة
(1) فريد، ماهر شفيق، لآلئ الإبداع: دراسات في آداب غربية مع نماذج أدبية مترجمة، (القاهرة: دار البستاني، 2005 م) ، ص 29.
(2) عباس، مرجع سابق، ص 69.
(3) اللغة والإنسان، بحوث ملتقى النص الحادي عشر، نادي جدة الأدبي، مارس 2011، ص 25 - 27.
(4) فريد، مرجع سابق، ص 17.