إن حالة الوحدة التي عاشها الشاعر منحته مساحة من البوح والتعبير عما يشعر به؛ فكان الشعر طريقًا لتفتيت وحدته وانسجامه النفسي مع مسببات ظرفه.
لقد حوّل الشاعر الوحدة من حالة إلى قضية شعرية تشغل ذهنه وتفكيره ولو لم تكن موهبته مساندة له في القصيدة لما حصلنا على كل هذه المشاعر والانفعالات التي تفوح من بين السطور وتنتفض منها الغربة وترتقي بالشعر.
لكننا سنكتشف أن الغربة في قصيدة"عنق الزجاجة" [1] للشاعر حسن الصلهبي -من الشكل الشعري القصيدة العمودية-، جاءت من مسامات الروح واعتمد الشاعر على مخيلته وتوغل في دهاليز النفس وكشف ما تخبئه الذاكرة من قلق وعدم استقرار من بداية القصيدة، يقول الصلهبي:
قلق أنا كبح الزمان جماحي ... أنا لا أطيق بأن تُصدّ رياحي
متشبث بالمدّ .. أُفرغ شقوتي ... لكنما تغتالني أفراحي
أشدو أهدهد نقمة الناعي بأندائي ... وأشرع في الفضاء جراحي
أصغي لصوت الريح أعلم أنني .. ... حين استرقت تكسرت ألواحي
ونفضت عن وجهي الغبار .. فلم أجد ... إلا تشابه أوجه الأشباح
من يا ترى يزجي المرايا للدمى؟ ... ويزج بالأرواح في الأرواحي
قلق أنا حدّ الجنون الموت ... فوق وسادتي .. ووسادتي أتراحي
أخطو على النار الجليد الوقت ... أنهك ساعتي لا منتهى لرواحي
من جنب خاصرتي تمرّ غمامة ... مسلوبة من ظلّها يا صاح
لو يعرف القلم التصحّر ما بكى ... ولصدَّ عن وجع الجفون براح
أستلّ أسئلتي أسدد سهمها ... وعليّ في عنق الزجاجة لاح
قلق أنا قلق حضنت هزائمي ... وخفضت للآتين ريش جناحي""
(1) الصلهبي، حسن، خائنة الشبه، (أبها: نادي أبها الأدبي، 1424 هـ) ، ص 21.