فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 148

اعترف الشاعر بقلقه وعدم ارتياحه، وأقرّ بعدم استقراره النفسي وحمل الزمان مسؤولية ذلك، وبدا انفعاله واضحًا وشفافًا ولم يخف وحشته بل إنه أشرع جراحه في الفضاء، وبدأ يستمع للريح ثم ينفض عن وجهه الغبار الذي لحق به. وفي كل مرة يكرر الشاعر أنه قلق وينبهنا إلى هذا الاغتراب الذي تراكم في داخله وأنه وصل به حد الجنون وبدأت الأشياء حوله تفقد ظلها، ويلجأ إلى تفريغ غربته من خلال الشعر عله يتنفس أو يرتاح"أخطو على النار الجليد الوقت/ أنهك ساعتي لا منتهى لرواحي/ من جنب خاصرتي تمر غمامة/ مسلوبة من ظلها يا صاح/ لو يعرف القلم التصحر ما بكى/ ولصدَّ عن وجع الجفون براح"، إن البكاء هنا هو في الحقيقة بكاء الشاعر، وقلمه/ قلبه لا يعرف التصحر أو الجفاف في المشاعر وما القلم إلا الأداة التي يفرغ من خلاله غربته وهواجسه.

لقد بيّن الشاعر أنه يمتلك الشجاعة لمواجهة الحياة ومناكفتها، وتجلت عواطفه وارتفعت انفعالاته النفسية، ومكّنه خياله من استلهام معاني الغربة والوحشة في النص.

وحينما نقرأ نص"وشاية الغربة"للشاعر أحمد قران الزهراني [1] -من الشكل الشعري قصيدة التفعيلة- سيتضح لنا حال الغرباء أنفسهم وكيف تقمّص الشاعر معاناتهم وأخرج أبطال القصيدة من البؤس والجوع والفقر وصوّرهم في مشاهد تراجيدية لافتة، مشيرًا في ذات الوقت إلى ما سيكون عليه حال كل مغترب تكبّله الظروف وتعصره المعاناة، يقول الزهراني:

"مروا على باب المدينة عابرين سبيلهم"

يستنطقون سنابل الجوعى على وجل،

كأن ملامح الغرباء ليل مجدب

وكأن أرصفة المدينة شرفة للعابرين إلى أقاصي الوجد

موشومون بالحمى لهم صوت الخريف يرتلون قصائد الموتى و قدّاس الحياة.

مروا هنا كتبوا على الجدران تاريخ الغزاة

وأوغلوا في الحزن فوق رؤوسهم غيم من البوح المعتّق بالسؤال

حكاية الآتين من سفر النبوءة صورة الأنثى الخطيئة والعراة الطاهرين

وما استكان إلى دروب الغيّ من أشقاه موال النجاة.

(1) الزهراني، أحمد قران، لا تجرح الماء، (بيروت: دار الكوكب ورياض الريس، 2009 م) ، ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت