أماه ما الموت بطاش فيفزعنا ... ولا القبور التي نرتادها حفر""
يهيئ الشاعر والدته لرحيل أجمل، ويجعل من الموت الأمل المنتظر والقفز إلى حياة أخرى يظن الشاعر بأفضليتها عكس ما هو في واقع الحياة الدنيا. والشاعر يطمئن نفسه ثم يبدد مخاوفه من المجهول أمام والدته، مبينًا أن التفكير في الموت ليس يقود إلا إلى وحشة دائمة، ثم يواسي والدته ويوصيها بالإيمان والصبر وعدم الاستسلام، وهو يحاول أن يرتفع بمعنوياته أولًا وأمه ثانيًا، ويهيل عليها بعضًا من المسكنات أو المهدئات؛ ومع نهاية القصيدة يتجلى انفعال الشاعر مع محفز الشعر ويرتفع مزاجه الفني في استحضار الكلمات والمعاني، ويجعل من الموت جسرًا لأمل مفرح قادم، وما حفرة القبر إلا حضن دافئ يصوره الشاعر، وسيحتفظ بالجسد الذي سيضمه عما قريب.
أقول: حتى وإن لم نر تفاعل الصاعدي مع محفز الشعر من أول القصيدة، أو لم تساعده مخيلته على توليد معان مبتكرة، إلا أنه اجتهد في آخرها وحوّل حالة الخوف من الموت إلى الرغبة فيه وإلى حياة يعتقدها الشاعر أجمل؛ لتَحلَّ الطمأنينة في نفس والدته وهو الهدف الذي يبتغيه الشاعر ولا شك.
فيما يأتي الموت محفزًا الشاعر لينعي عزيزًا عليه ويتأسف لفقده، وهو أمر معروف في القصيدة العربية. وكثيرة هي القصائد التي تعالج موضوع الفقد والرحيل، وسنقرأ مثلها عند الشاعر إبراهيم صعابي في قصيدة"مقطوعة حزن لعرس مهيب" [1] -من الشكل الشعري القصيدة العمودية- كتبها الشاعر منفعلًا ومتأثرًا برحيل أحد أساتذته، يقول صعابي:
"نور يسافر في الثرى فيضاء ... وتبوح فقد ضيائها الغبراء"
جفّ المداد فأحرفي من وجدها ... مكلومة تلهو بِها الأرزاء
ما ضل سعيك في الحياة لفتية ... نَهلوا الضياء فجلّهم نبهاء
كنت الأب الحاني تسرّ بمهتد ... أزرى به الأخدان والرفقاء
تبكي عليك منابر أحببتها ... تبكي عليك الحارة السمراء
تبكي عليك حناجر علمتها ... أن الحياة عقيدة وبناء
(1) صعابي، إبراهيم عمر، أخاديد السراب، (جازان: نادي جازان الأدبي، 2009 م) ، ص 117.