فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 148

في مشاعرهم تجاه الأم، كما في قصيدة"أمي" [1] للشاعر بشير الصاعدي -من الشكل الشعري القصيدة العمودية- يقول:

"يا أم كيف كتبت الحب قافية ... وأنت أمية لَم تقرئي كتبا"

لو أن حبك يا أماه نافلة ... لكان فرضا على أرواحنا وجبا

تدفق الحب نهرا من أناملها ... ويغرق البحر لو من كفها اقتربا

حاولت أبلغ بالأشعار غايتها ... فيسقط الحرف وهنا كلما وثبا

عرق من الهمّ للأشعار ينزعني ... وعند أول بيت ينكر النسبا

توغلي في ثنايا القلب واغتربي ... فدى لعينك من في قلبي اغتربا

ما زلت أسال نفسي حين خلوتنا ... ودمعة الفقد حرّى أيّنا ذهبا""

إن الشاعر هنا يناجي والدته من أول القصيدة ويعترف بجلال أمومتها وحبها لأبنائها وحرصها عليهم بالرغم من أنها أمية -كما يقول الصاعدي- مبينًا في ذات الأبيات بِرَّه بوالدته ومقدمًا براهينه على ذلك، وقد استسلم لحالة الإبداع التي حفزته على كتابة القصيدة.

إن الصور الشعرية التي أوجدها الشاعر لم تختلف كثيرًا عما كتبه غيره من الشعراء، فيما جاءت الخاتمة ساديّة في آخر بيت أنهى به القصيدة. ويبدو أن الموهبة الشعرية التي يمتلكها الصاعدي لم تمكنه من استيلاد معان لافتة، وربما لم تخدمه جيدًا في التعبير عن حبه لأمه وتداعياتها في نفسه وهو يؤكد ذلك بقوله:"حاولت أبلغ بالأشعار غايتها/ فيسقط الحرف وهنًا كلما وثبا".

فيما يُطلُّ علينا الأب في كثير من القصائد الشعرية على هيئة النموذج المثالي والقدوة الحسنة في القول والفعل، وهو أمر طبيعي من الأبناء تجاه آبائهم، لكننا إذا فهمنا المقولة الشهيرة للشاعر الإنجليزي وردزروث"أن الطفل أبو الرجل" [2] فإننا سنفهم كيف كتب الشاعر طلال الطويرقي نصه، وكيف لاحظ الابن تصرفات أبيه، وانعكست تلك الحالة إبداعيًّا على الشعر، وعلى خلاف ما يمكن أن يتوقعه القارئ من الابن تجاه أبيه؛ متجاهلًا ما قد يحدثه ذلك من ردة فعل مباغتة على الأم/

(1) الصاعدي، بشير سالم، غيابة الجب، (بيروت: دار جودي، والدار العربية للعلوم ناشرون، 2013 م) ، ص 127.

(2) عبود، مرجع سابق، ص 497.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت