الجمهور من المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم نصوا على كراهية البناء على القبور بيتا أو مدرسة أو قبة أو مسجدا أو حيطانا تحدق به إذا لم يقصد بها الزينة أو التفاخر وإلا حرم ذلك، هذا إذا لم تكن الأرض مسبلة أو موقوفة، أما إذا كانت كذلك فيحرم البناء فيها مطلقا وقد بسطت أدلة القوم ومناقشتها في رسالتي «فقه الحافظ ابن الصديق» [1] ، بما أغني عن إعادتها.
أما المتأخرون فلم يروا الكراهة بل رأوا استحباب البناء على قبور الأنبياء والصالحين، وقد بسط أدلتهم وبينها أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري (ت. 1382) في «إحياء المقبور بأدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور» .
بل قد نظم هذه المسألة أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي الفهري [2] فيما جرى به العمل بفاس، قاعدة الغرب الإسلامي بعد قرطبة فقال:
تحلية القبر وكسوة الحرير ... للصالحين ومصابيح تنير!!
وقال القاضي الطالب ابن الحاج السلمي، رحمه الله، في «حاشيته على ميارة الصغير» : «وكما أن قبور الأنبياء من أمكنة الاستجابة كذلك مقابر الأولياء والصالحين كما في «الحصن» [3] ، وعد الغزالي في «الإحياء» [4] زيارتهم من المندوبات، وأجاز الرحلة لها في آداب السفر، واعتمده صاحب «المدخل» [5] وغيره، وهو مذهب الجمهور. وقول ابن العربي: «لا يزار قبر ينتفع بع إلا قبره - صلى الله عليه وسلم -» ضعيف، وكذا قول الشارمساحي: «قصد الانتفاع بالميت بدعة» . وفي سينية ابن باديس:
ولا تسمعن من قاصر النفع فيهم ... على من يكن حيا فذاك من الطلس
فإن شهود النفع ينفي مقاله ... ولاسيما والقوم نصوا على العكس
(1) انظر (ص.162) .
(2) العلامة الفقيه الموسوعي، الملقب ب"سيوطي عصره"، وله مؤلفات كثيرة في شتى الفنون. ولد سنة 1040 وتوفي سنة 1096، بفاس في المغرب. انظر"عناية أولي المجد" (ص.43) .
(3) للإمام ابن الجزري. وانظر"تحفة الذاكرين بشرح عدة الحصن الحصين"لمحمد بن عبد القادر الفاسي (1\ 325) ففيه شرح ذلك ومنه يستمد الطالب ابن الحاج، وانظر كذلك"تحفة الذاكرين"الشوكاني (ص.71) .
(4) "أحياء علوم الدين" (2\ 384) ط دار الحديث.
(5) ابن الحاج العبدري.