والحاصل أن الذين وقعوا في الشرك من المتأخرين منهم المبتدع المتأول ومنهم الجاهل الذي لم يتعلم فيحتاج لمن يبين له، خاصة وأغلب علماء ذلك العصر كانوا مقصرين في هذا الباب، ومنهم من كان يجاري العامة ويخشى على نفسه منهم.
فإن قيل: فماذا تحكم على هؤلاء القوم؟
قلت: المطلع على حالهم والدارس لتراجم عصرهم يجدهم مسلمين فيهم علماء ربانيون نذروا أنفسهم لنصرة الدين وألفوا الكتب في سائر الفنون، وفيهم العباد الزهاد والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وفيهم المجاهدون الناصرون للإسلام الذابون عن البيضة، الحامون للشريعة.
ثم هم خليط لا يتوقف على مقاصدهم حتى يسمع منهم ويستفسروا ونعلم مرادهم، ثم بعد ذلك نرى هل هم متأولون أم جهال فنقيم عليهم الحجة؟
وبالجملة، فإن الزعم بأن هؤلاء مشركون كفار، كما يقول النجديون، يعني أنهم في الباطن كذلك وأنهم ينافقون بإظهار الإسلام، كما قدمت لك عن ابن تيمية وابن أبي العز في تقسيم الناس، ونحن نعلم علم يقين نكاد نقطع به أن كثيرا من أهل القرون الأخيرة كانوا مسلمين باطنا وظاهرا وعندهم من الحمية للإسلام والغيرة عليه مع الذب عنه الشيء الكثير.
ويدل على ذلك مواقف علمائهم وجهاد مجاهديهم ضد أصناف الكفار المحاربين لبلاد المسلمين وبذلهم في ذلك النفس والنفيس، وحال عوامهم من كره الكفار والنفرة منهم وحبهم لأهل الخير والذب عنهم.
فإن قيل حبط كل ذلك بالشرك!
قلنا: هذا باطل، فإن معناه أنهم في واقع الحال كفار باطنا يكرهون الإسلام ويودون استئصاله، ويضيقون ذرعا به ويريدون لو لم يكن، ولا يحبون شريعته ويبغضون الكتاب والسنة.
فإن قيل: الأمر كذلك، فإن النجديين يصرحون بأنهم شرقوا بالدين وسبوا دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبغضوا دين الإسلام!