فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 200

التحول العلماني [1] .

و تقدم معنا أن السلطان عبد العزيز بن محمود خان الذي تولى بعد أخيه عبد المجيد حاول تدارك الأمور فخلع وقتل، ثم آلت الأمور إلى السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد خان، رحمه الله، الذي أوقف العمل بالدستور وعمل جهده كله لترقيع الفتوق وإصلاح الأمور، لكنه وجد الخرق اتسع على الراقع وقل أعوانه. وقويت شوكة العلمانيين، مع حسن تنظيمهم وإمدادهم من أوليائهم في الغرب الحاقد.

و بعد ثورة عارمة وقتال مرير بين الشعب المسلم ومن معه من ضباط مسلمين تحت راية السلطان عبد الحميد تغلب العلمانيون وعزلوا السلطان سنة 1327 هـ، ونصبوا أخاه محمد رشاد الذي لم يكن له أمر معهم إلى أن آلت الأمور للهزيمة في الحرب العالمية الأولى سنة 1333 هـ، وتمكن مصطفى كمال باشا من أمور الدولة وظهوره بصورة المجاهد المحرر للثغور، فكان عمله بعد ذلك تحصيل حاصل وإتماما لأمر قد بدأه غيره.

و بهذا يظهر لك أن الدولة العثمانية في آخر أيامها لم تستسلم لنظام علماني كافر حتى يقال إنها كفرت ووجب الخروج عليها، بل إنها عانت من صراع مرير بين تيار إسلامي أصيل يريد الحفاظ على دينه واستقلاله وتيار علماني دخيل يريد أن يكفر الدولة والأمة ويجعلها جزءا من أوروبا ويذهب بطريقتها المثلى. وكانت ضربته القاضية بخلع السلطان عبد الحميد الثاني، ومع ذلك فقد كان كثير من عقلاء الأمة يرون في الخلافة الصورية لمحمد رشاد وأخيه من بعده محمد وحيد الدين، وحدة للأمة في وجه أطماع المحتلين، وكانوا يرون نصرة الدولة في حروبها وعدم نزع اليد من طاعتها إلى أن تستتب الأمور فتصلح من الداخل.

وهذا كان رأي الحركة السنوسية المجاهدة منذ أسسها الإمام محمد بن علي السنوسي، رحمه الله، المتوفي سنة 1276 هـ، وعلماء الهند قاطبة، وعلماء العراق وعلى رأسهم آل الآلوسي. وعلماء الشام والحجاز، إلا من مال للثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن على الهاشمي.

(1) نفسه (2/ 269) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت