«فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصا؟
قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرين. وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي» [1] .
قال أبو محمد:
و لذلك لما نجم في أواخر الدولة العثمانية رجال منافقون تشربوا حب أوروبا، عملوا على تغيير الشريعة بإدخال قوانين أوروبية عوضا عن الأحكام الشرعية. وقد كان أول من تولى كبر ذلك مصطفى رشيد باشا وزير السلطان عبد المجيد بن محمود خان سنة 1258 هـ كما قدمنا آنفا، وسماه (خط شريف كلخانة) أي المرسوم المتوج بخط السلطان، ومما جاء فيه: «إن النظم الأهلية تضمن رعايانا من الآن أمنا شاملا على أرواحهم وشرفهم وأموالهم، وهذه المنح حق للجميع من أي ملة أو مذهب ... يستمتع بها الكل على السواء» [2] .
و لم يلق الخط الشريف أو الدستور الذي سانده مصطفى رشيد وقلة من المحيطين به ترحيبا أو تأييدا من الرأي العام العثماني المسلم، فأعلن العلماء استنكارهم وتكفيرهم ل «رشيد باشا» ، واعتبروا الخط الشريف منافسا للقرآن الكريم في مجمله، وبخاصة في مساواة النصارى بالمسلمين، ورأوا أن ذلك، وبغض النظر عن النواحي الدينية، سيؤدي إلى إثارة القلاقل بين رعايا السلطان.
و استطاع المسلمون عزل هذا المنافق عن الوزارة سنة 1258 هـ، لكنه بدهائه عاد بعد أربع سنوات تسانده مجموعة من أعضاء المحافل الماسونية الذين ركزوا السير في طريق
(1) «تفسير الطبري» (10/ 358) ط. شاكر.
(2) «الانحرافات» (2/ 266) .