ولم يشترطوا فيه أن يعلم تفاصيلها وواجباتها ونواقضها، والأصل في هذا الأعراب الذين كانوا يأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيتشهدون بالشهادتين ويلتزمون أحكام الإسلام ثم لا يزال إيمان الواحد منهم يزيد وينقص كما قال تعالى: {قالت الأعراب: آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا: أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} (الحجرات:14) فهؤلاء الصحيح من أقوال جماهير أهل السنة أنهم مسلمون ناقصو الإيمان ولم يكونوا منافقين، خلافا للبخاري ومحمد بن نصر المروزي، رحمهما الله.
قال أبو الفداء بن كثير رحمه الله: «فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يتحكم الإيمان في قلوبهم فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه فأدبوا في ذلك» [1] . اهـ.
وقال أبو العباس بن تيمية رحمه الله: «ولو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه - صلى الله عليه وسلم - لم تدخل أمته الجنة، فإنهم أو أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة، بل يدخلونها وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم.
وإذا كان الرجل قد حصل له إيمان يعرف الله به وأتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه لم يحدث بحديث يكون فيه فتنة. فهذا أصل عظيم في تعليم الناس ومخاطبتهم بالخطاب العام بالنصوص التي اشتركوا في سماعها كالقرآن والحديث المشهور، وهم مختلفون في معنى ذلك» [2] . اهـ.
وقال جد جدنا أبو عبد الله محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني رحمه الله:
«أحاديث اكتفائه - صلى الله عليه وسلم - من المشركين بمجرد الإقرار بالشهادتين والتصديق بمضمونها من غير أن يأمرهم بإقامة دليل على صحتها، ذكر النووي في كتاب الإيمان من «شرح مسلم» في الكلام على حديث: «أمرت أن أقاتل الناس ... إلخ» أنها متواترة.
ونصه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بالتصديق بما جاء به ولم يشترط المعرفة بالدليل، فقد تظاهرت بهذا أحاديث «الصحيحين» يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم اللفظي»
(1) «عمدة التفسير» (3/ 321) لأحمد شاكر.
(2) «الفتاوى» (5/ 254) .