ظلل سود من الخزّ، وأمامه الجباجب (1) والصنوج والطبول تقدمه الرايات الصفر، وكان الإمام في قلة من الجنود فخاف الغدر، وأرسل إليه أن يقف مكانه ويلقاه منفردا إن أراد الصّلاح والسّلامة فامتثل الزّيدي إشارته وجاءه على فرس ليس معه إلا خادم ورجل من همدان، واعتذر للإمام وأظهر النّدم على ما فرط منه، وعرض على الإمام الدخول معه فاحترز منه وقال له لا أفعل معك في هذه اللقيا غير الصّلح حتى ننظر في الأمور بعد، وتمّ الإتفاق على عدم الشقاق وسارا معا إلى ريدة وافترقا منها، فسار الزيدي إلى اليمن ورجع الإمام إلى ورور، ثم سار منها الى وادعة فأقام في بلد بني ربيعة، وعمر بها دارا لبعض أهله وترك الزّعامة، وتخلّى عن متاعبها وتربّص بالظالمين، وجعل الخيار في الطّاعة إلى الرعايا، فمن أراد منهم برضا وطواعية والاه ودفع إليه زكاته وسلم ذلك لسعاته، ومن كره ذلك لم يسأله شيئا، وما برح يرجو ويأمل مواتات الأيام ومساعدة الأقدار وإبتسام الحظّ بالإنتصار على الشرفاء بني المختار، لبغيهم عليه، وإقدامهم على نهب حصنه وهدمه، وكفراتهم إحسانه:
وظلم ذوي القربا أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهنّد
وكانت بعض قبائل خولان تعده المأزرة (2) فتحرّك من همدان ونزل على بطون بكيل ووادعة فالتف حوله منهم عسكر لا يصل بهم وحدهم شيئا من بني المختار، واعوانهم أهل صعدة، فجعل طريقه ناحية بني شاكر شرقي صعدة، حتى وصل بمن اجتمع معه بلد بني مالك بالحقل ونزل على المدلهم بن الفحيش رئيس بني سعد، وكان قد خالف عليه وانضم إلى بني المختار، فلم يحصل له ما أمّل لا من المدلّهم ولا من خولان:
(1) الطبل والضخم من الأبواق ميل واحد، جبجبه وجبجاب.
(2) الموازرة.