فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 361

من كل جوانبها، وضيّق الحصار عليها سبعين يوما جمادى الأول والآخرة وعشرا من رجب سنة 448، ونصب المجانيق والعرادات وعظم الحشد إلى تلك البقعة، حتى كان يخيل للسّامع أن الأرض ترتج وتضطرب، عند ضرب الجباجب والطّبول، ونفخ النفاطات (1) والأبواق، فثبت أصحاب الفاضل ثباتا يدهش اللّب، وبرهنوا على بسالة وصبر قل أن يتحمّلها إنسان مهما بلغت حماسته، وعاهدوا الشريف الفاضل على الموت، وواثقوه على ان لا يخرج من الباب احد أو يهلك دون ذلك، كلا هذا ومورد ألما بعيد عنهم، وليس معهم منه إلّا ما كانوا قد احتجنوه واحرزوه، ولطول المدة نفذ ما معهم من الماء وبلغ الحال إلى أن تقاسموا الماء بالعطبة (2) ، وطلب رجل شربة ماء على ان يبذل فيها ما يملك، وكان ما له لا يقل عن ألف دينار، فلم يجد، وبذلت إمرأة مائة وعشرين دينارا عوض شربة ماء فلم تجد ذلك، وكانوا يضعون الدروع الحديدية على صدورهم يتلذّذون ببرد الحديد، وماتت البهائم والخيل من العطش، حتى امتلأت حيطان الهرابة بجثثها المنتنة، وقد كانت السماء تمطر في آنات متباعدة فيتهافتون على الماء يغترفونه، من بين جثث الموتى، وجيف الحيوانات، وربما عثروا على الماء بعد يومين أو ثلاثة في الحفر التي قد أمتلأت بالأشلاء المنتنة ونحوها، فيأخذون ما يظفرون، وقد امتزج بالصديد، وأصبح أسود كأنه القطران، فيعمدون إلى طبخه بالنّار ثم إلقاء التراب الأبيض عليه ليغير من لونه، ثم يسدّون أنوفهم ويشربون فلا يكاد يمرّ من الحلق حتى يتقاياه الشارب ويكاد يهلك وربما هلك.

هذا كله والماء غير ممنوع عنهم، ولا يصدّهم صاد عن وروده والأمان سائد لمن يريد الورود، ولكن العهد والميثاق الغليظ حال بينهم وبين الخروج من الأبواب وتعديها، وقد هلكت النساء والصبيان والبهائم في سبيل المحافظة

(1) اداة من النحاس يرمى بها النفط.

(2) العطبة: القطعة الصغيرة من القطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت