بالصفات التي تدل عليها الأسماء, [1] وفي نفس الباب المذكور ذكر البخاري رحمه الله تعالى حديثين فيهما ذكر الصفة الفعلية المشتقة من اسم الرحمن، فروى بسنده عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - أن رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:"لاَ يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لاَ يَرْحَمُ النَّاسَ". [2] والذي يعنيه البخاري بذكره الفعل من الاسم بيان أمور منها:
-أن الاسم إذا أطلق على الله تعالى، جاز أن يشتق منه الصفة (الرحمة) ، والفعل (يرحم) ، فيخبر به عنه فعلا ومصدرًا. [3]
-بيان أن هناك أسماء متعدية يشتق منها أفعال، والتي منها اسم الرحمن، وهناك أسماء غير متعدية فلا يشتق منها أفعال كلفظ الجلالة (الله) وكاسم الحي؛ فالاسم إن كان متعديًا يطلق عليه الصفة- المصدر- والفعل، وإن كان لازمًا يطلق عليه الاسم والصفة دون الفعل. [4]
-أراد بيان أن الاسم يتضمن المصدر، والمصدر يتضمن الفعل، والمُتَضَمِن أعم من المتضمَن، وكون البخاري ذكر الفعل هنا؛ ليدل على أن الفعل أخص من الصفة والاسم؛ وذلك لأن الفعل نفسه (يرحم) مشتق من معنى أعم منه، فيكون الأعم مذكورًا بطريق الأولى وهو الصفة.
ومن الأدلة كذلك على دلالة الأسماء على الصفات عند البخاري ما رواه بسنده عن عَائِشَةَ رضي الله عنها:"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ". [5] والشاهد من هذا الحديث قول الصحابي - رضي الله عنه: (لأنها صفة الرحمن) ، ووجه الشاهد أن الصحابي فهم عبارات الألفاظ من السورة -سواء بالنفي أو الإثبات- أنها دالة على صفات الله - سبحانه وتعالى -، فعرف صفات الله تعالى من خلال الإثبات المتمثل بأسمائه الحسنى، والنفي المتمثل في إثبات ضد ما ينفيه، ولم يفهم الإثبات: إثبات دلالة على الذات دون الدلالة على الصفات، ولم يفهم النفي أنه نفي مجردٌ لا يثبت الصفات، فمدار سورة الإخلاص على إثبات الصفات لله تعالى مع نفي المماثلة لغيره، ونفي صفات النقص عنه كوجود كفءٍ لله تعالى أو الولد؛ وذلك
(1) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (12/ 46)
(2) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى} [الإسراء: 110] ، 9/ 115: رقم الحديث 7376].
(3) انظر: السفاريني، لوامع الأنوار البهية (1/ 126) .
(4) انظر: ابن القيم، بدائع الفوائد (1/ 162) . السفاريني، لوامع الأنوار البهية (1/ 126) .
(5) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله - سبحانه وتعالى -، 9/ 115: رقم الحديث 7375] .