فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 501

ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا"، [1] والشاهد قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (تدعون سميعًا بصيرًا) ووجه الشاهد أن اسمي السميع والبصير يدلان على الذات والصفات بالمطابقة، ويدلان على الصفات وحدهما وعلى الذات وحدها بالتضمن؛ لأنه لو لم يدل الاسم على ذات الله وعلى تضمن الصفة لذاته حقيقة لما قال تدعون سمعيًا بصيرًا، وكونه - سبحانه وتعالى - سميعًا بصيرًا فهذا يستلزم أن يكون قريبًا مجيبًا، غير أصم ولا غائب. [2] "

وأفرد البخاري في ذلك بابًا ترجم فيه بقوله تعالى: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ} [الذاريات: 58] وأورد في هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ", [3] ومن خلال الجمع بين الآية الكريمة والحديث الشريف تظهر هذه العلاقة - علاقة المطابقة والتضمن واللزوم-، والشاهد أن الآية اشتملت على ذكر بعض أسماء الله تعالى: (الرزاق، ذو القوة، المتين) فدلت هذه الأسماء على ذات الله تعالى وصفاته بطريق المطابقة والتضمن واللزوم، والحديث النبوي يؤكد ذلك؛ فقد ذكر الله تعالى اسم الرزاق في الآية وفي المقابل ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - صفة الرزق في الحديث، وهذه علاقة المطابقة والتضمن، وأما علاقة اللزوم، فدلّ عليها اسم (ذو القوة) ، واسم (المتين) ، مع ذكر صفة الصبر في الحديث فالقوة تستلزم الصبر، كما أن الضعف يستلزم العجلة والطيش؛ لهذا رغم إساءة العبيد إلا أن الله تعالى يعافيهم ويرزقهم، بخلاف طبع البشر لو أساء إليه أحد فإنه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء له، وخوف الفوت يحمله على المسارعة إلى الانتقام وقطع الإحسان عنه، ولما كان الله تعالى قادرًا على الانتقام حالًا ومآلًا؛ لقدرته النافذة، صبر عليهم وعافاهم ورزقهم؛ وهذا يتعلق بحكمة الله تعالى وعلمه الغيب، فرب عاص علم الله تعالى منه التوبة فأمهله؛ لأنه التواب الرحيم - سبحانه وتعالى -، ورب متجبر ولا توبة له أمهله استدراجًا وعقابًا؛ لأنه العزيز الحكيم، والمنتقم من الكافرين، وهكذا يمكننا السير حتى نصل لصفات أخرى بطريق اللزوم من خلال الصفات الواردة في هذه الآيات. [4]

(1) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134] ، 9/ 117: رقم الحديث 7386].

(2) انظر: ابن عثيمين، القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: 11) .

(3) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ} [الذاريات: 58] ، 9/ 115: رقم الحديث 7378].

(4) انظر: ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 59) . ابن حجر، فتح الباري (13/ 361) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت