تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] ؛ [1] ليدلل على هذا المعنى.
وأما الدعاء في الاصطلاح، فقد عرفه الخطابي فقال:"هو استدعاء العبد ربه - عز وجل - العناية واستمداده إياه المعونة، وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله - عز وجل -، وإضافة الجود، والكرم إليه"، [2] وعرفه ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال:"هو ذكر للمدعو - سبحانه وتعالى - متضمن للطلب والثناء عليه بأوصافه وأسمائه"، [3] وقال ابن العربي:"الدعاء في اللغة والحقيقة هو الطلب؛ أي اطلبوا منه بأسمائه، فيطلب بكل اسم ما يليق به، تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رزاق ارزقني، يا هادي اهدني"، [4] وقال ابن أبي العز:"الدعاء: اسم يجمع العبادة والاستعانة، وقد فسر قوله: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] بالدعاء، الذي هو العبادة، والدعاء الذي هو الطلب"، [5] وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى كتابًا خاصًا في الدعاء وأسماه: كتاب الدعوات، وذكر أبوابًا في الاستغفار، والتوبة، والذكر، والاستعاذة، وهذا يدل على أن الدعاء عند البخاري لا يقتصر على الطلب فقط، إنما يتضمن كذلك الثناء والتعظيم وبعض أنواع العبادة لله تعالى، ودليل ذلك أنه أورد في هذه الأبواب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه -، قَالَ:"كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلاَةِ: السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ - إِلَى قَوْلِهِ - الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ صَالِحٍ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الثَّنَاءِ مَا شَاءَ"، [6] ويفسر هذه الرواية روايات أخرى عند البخاري، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها:"ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو"، [7] ورواية عند مسلم وهي قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ"
(1) انظر: البخاري، صحيح البخاري (8/ 67) .
(2) الخطّابي، شأن الدعاء (1/ 4) .
(3) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (15/ 19)
(4) ابن العربي، أحكام القرآن (2/ 350 - 351) .
(5) ابن أبي العز، شرح الطحاوية (ص: 462) .
(6) [البخاري: صحيح البخاري، كتاب الدعوات/ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاَةِ، 8/ 72: رقم الحديث 6328] .
(7) [المرجع السابق، الأذان/ مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، 1/ 176: رقم الحديث 835] .