قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ: لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ"، [1] والشاهد أنه قدم دعاء العبادة الذي هو الثناء على الله تعالى، ثم سأل - صلى الله عليه وسلم - المغفرة، ويدخل في هذا النوع: الاستعاذة والاستعانة والاستغاثة بالله تعالى وصفاته، وروى البخاري أحاديث كثيرة يستعيذ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها بالله - سبحانه وتعالى - من الفتن، ومن غلبة الرجال، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وغيرها. [2] "
العلاقة بين دعاء العبادة ودعاء المسألة.
روى البخاري حديثًا تظهر من خلاله العلاقة بين دعاء العبادة ودعاء المسألة، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ"، [3] والشاهد من هذا الحديث ما ذكره ابن تيمية في تعليقة على هذا الحديث، فقال:"فذكر أولًا لفظ الدعاء، ثم ذكر السؤال والاستغفار، والمستغفر سائل كما أن السائل داع"، [4] ومعنى كلامه أن العلاقة بين دعاء العبادة ودعاء المسألة علاقة تضمن ولزوم، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة؛ لأنه يدعو الله - سبحانه وتعالى - خوفًا ورجاءً، والخوف والطمع دعاء عبادة، وهو يستلزم السؤال أي طلب دفع ضر أو جلب منفعة؛ ولأن السؤال لابد أن يسبقه ثناء وتعظيم لله تعالى بأسمائه وصفاته. [5]
والمستفاد من هذا، أنه يستوي دعاء الله بصفاته مع أسمائه، فيدخل التوسل [6] بأسمائه وصفاته في دعاء العبادة، كما تدخل الاستغاثة والاسعاذة والاستعانة، [7] [8] ودليل ذلك أن
(1) البخاري، صحيح البخاري (8/ 70)
(2) انظر: المرجع السابق، ص 77 - 79.
(3) [المرجع نفسه، كتاب الدعوات/ الدُّعَاءِ نصف اللَّيل، 8/ 71: رقم الحديث 6321] .
(4) ابن تيمية مجموع الفتاوى (10/ 239)
(5) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (15/ 11) . ابن القيم، بدائع الفوائد (3/ 3) .
(6) التوسل من مادة وسل: (الوسيلة) ما يتقرب به إلى الغير والجمع (الوسيل) و (الوسائل) . و (التوسيل) (التوسل) واحد، يقال: (وسل) فلان إلى ربه وسيلة بالتشديد، و (توسل) إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل. انظر: الرازي، محمد، مختار الصحاح (ص: 338) .
(7) هذه المصطلحات الثلاث ترجع في معانيها إلي الاعتصام بالله والالتجاء إليه والتبرء من الحول والقوة، وتختلف من حيث حالات الطلب فالاستغاثة تكون عند الشدة، والاستعانة تكون في كل الأحوال والأمور، والاستعاذة تكون لدفع شر متوقع. انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة (4/ 400) . الطبري، تفسير الطبري (1/ 161) ابن كثير، تفسير ابن كثير (1/ 29) .
(8) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (2/ 456) ابن تيمية، النبوات (1/ 377) .