وروى البخاري أحاديث تدل على صحة الاستعاذة بصفات الله تعالى، ومنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ:"أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ"، [1] وهذه الرواية تظهر الفرق بين التوسل بالأسماء والصفات الذي هو من توابع دعاء العبادة، وبين الالتجاء إلى الله تعالى وطلب العون والغوث، والذي هو من توابع دعاء المسألة، والذي يكون بالاستعاذة أو بالنداء المباشر، وهذا يفهم من خلال تقديم النبي دعاء المسألة ثم التوسل لحصول هذه المسألة بالثناء عليه بصفاته التي يختص بها عن العبيد، ويستفاد من هذه الرواية كذلك أن التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته قد يكون قبل دعاء المسالة أو بعده، وجاء في الأحاديث الاستعاذة بوجهه الكريم، [2] وبكلماته التامة، [3] وبرحمته - سبحانه وتعالى -. [4]
ويتبين مما سبق أنه لا فرق بين دعاء الله تعالى بأسمائه وصفاته، وأن الاستعاذة بأسمائه وصفاته على حد سواء في الاستعاذة بها، فالقول: أعوذ بعزة الله استعاذة بالله، والقول: أعوذ بالله استعاذة بالله تعالى، ويصح التوسل بهما، وذلك من خلال الثناء عليه - سبحانه وتعالى - بهما، وطلب الداعي حاجته بعد ذلك.
وأما القسم بالأسماء والصفات، فحكمهما واحد، وهو من باب تعظيم الله - سبحانه وتعالى -، فالحلف بصفات الله تعالى كالاستعاذة بها، [5] وهذا هو منهج البخاري رحمه الله تعالى، ومن هذا روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ"، [6] وبوب في صحيحه فقال:"ومن حلف بعزة الله وصفاته"، [7] وبوب كذلك:"باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته"، [8] وروى عَنْ أَنَسٍ، أن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لاَ يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا-النار- وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ، قَدْ، بِعِزَّتِكَ"
(1) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] ... ، 9/ 117: رقم الحديث 7383].
(2) انظر: البخاري: صحيح البخاري (9/ 121) .
(3) انظر: المرجع السابق، (4/ 147) .
(4) انظر: الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/ 449) .
(5) انظر: ابن تيمية، الفتاوى الكبرى (4/ 130) . أبو زيد، معجم المناهي اللفظية (ص: 560) .
(6) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، 9/ 120: رقم الحديث 7401] .
(7) المرجع السابق، ص 116.
(8) المرجع نفسه، (8/ 134) .