فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 501

كان غيره فهو مخلوق، وهكذا نفوا صفات الله تعالى، وجعلوها أمورًا اعتبارية غير حقيقية، وهذا ما دل عليه قول الجزائري في تعليقه على رواية الكليني التي يقول فيها: (وشهادة الموصوف أنه غير الصفة) :"هو استدلال على نفي الصفات، وحاصله أن كل صفة وموصوف لا بد أن يكونا مخلوقين، إذ الصفة محتاجة إلى الموصوف لقيامها به، والموصوف محتاج إلى الصفة في كماله، والصفة غيره، وكل محتاج إلى الغير ممكن، فلا يكون شيء منهما واجبًا، فكذا المركب منهما لتركيبه من ممكنين، فثبت احتياجهما إلى علة ثالثة لا تكون موصوفًا ولا صفة، وإلا لعاد المحذور"؛ [1] لهذا روى الكليني عن أبي إبراهيم أنه قال:"وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ؟! بِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ الْمَوْصُوفِ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، وَشَهَادَتِهِمَا جَمِيعًا بِالتَّثْنِيَةِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ الْأَزَلُ؛ فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ"، [2] فالكليني هنا يعلل نفي الصفات، بأن الصفة - التي أصلها اسم- مغايرة للموصوف التي هي معنى الاسم، لهذا الله تعالى لا يوصف عندهم، إنما الذي يوصف هو الموصوف، والموصوف هنا ليس الله تعالى، أي ذات الله المتصفة بالألوهية، إنما الألوهية التي هي الاسم صفة لها، والذي يدل على هذا الكلام أنه روى في نفس الرواية: (فمن وَصَفَ اللَّه سُبْحَانَه فَقَدْ قَرَنَه، ومَنْ قَرَنَه فَقَدْ ثَنَّاه، ومَنْ ثَنَّاه فَقَدْ جَزَّأَه) ، وعلق محمد الشيرازي على هذه الرواية فقال:" (فمن وصف الله سبحانه) بصفة مغايرة للذات (فقد قرنه) أي قد قرن الله بشيء آخر - أي بالصفة- (ومن قرنه) بأوصافه (فقد ثناه) أي جعله اثنين: الذات والصفات، (ومن ثناه) أي جعل الله اثنين (فقد جزأه) أي جعله ذا أجزاء، فإن الاثنين المتداخلين واحد ذو أجزاء، كما أن الانسان واحد ذو أجزاء، والسكنجبين [3] واحد ذو أجزاء خل وشهد، (ومن جزأه) أي جعله تعالى ذا أجزاء (فقد جهله) أي لم يعرفه حق معرفته؛ إذ إنّه عرف اثنين، وإلهً ذا أجزاء، ولم يعرف واحدًا، وإلهً بسيطًا لا جزء له". [4]

المناقشة:

1 -قوله: (الأسماء صفات وصف بها نفسه) هذا القول بمنطوقه يتعارض ويتناقض مع اعتقادهم أن الأسماء مخلوقة؛ إذ كيف تكون مخلوقة ثم يقولون بأنها صفات وصف بها نفسه؟!، فهذا يستلزم أن الصفات كذلك مخلوقة؛ لأن الأسماء صفات عندهم حسب هذه الرواية، ويلزم منه أن

(1) الجزائري، نور البراهين (1/ 98) .

(2) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ جوامع التوحيد، 1/ 100 - 101: رقم الحديث 6] .

(3) هو شراب مركب من حلو ومالح، وهي كلمة ليست من كلام العرب. انظر: البعلي، المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 294) .

(4) الشيرازي، توضيح نهج البلاغة (1/ 14) . وانظر: الخوئي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (1/ 318) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت