وغيره، فلم يقولوا شيئًا من ذلك- أي أن الصفات غير الذات- امتنعوا من إطلاق القول بأنه غيره، كما لم يطلقوا أنه هو، ولم يقولوا: إنه لا هو هو، ولا غيره، فينفوهما جميعًا: لا مجتمعين ولا منفردين، بل منعوا من إطلاق لفظ الغير؛ لأن لفظ الغير مجمل، يراد به المباين، ويراد به ما ليس هو إياه"، [1] والبخاري رحمه الله تعالى لم يثبُت عنه أبدًا أنه قال صفات الله غير الله؛ لأن مراد المناظرين في ذلك الوقت أن ما كان غيره فهو مخلوق، وكذلك لم يثبت عنه أنه قال أنها زائدة على ذاته ولا أنها عين ذاته، والذي ثبت عنه إثبات ملازمة الصفات للذات، والحكم بأنها غير بائنة منها ولا منفصلة عنها، وإثبات تعدد الصفات وإفراد الذات، والقول بأن الموصوف بالصفة هو الله تعالى، دون القول بأن الصفة هي الموصوف أو غير الموصوف، وبيان هذا كما يلي:"
أولًا: إثبات أنّ صفات الله تعالى ليست غيره، وأنها ليست بائنة منه.
بداية لابد من التفريق بين قولهم: (هل الصفات غير الذات أم هي الذات، وبين قولهم هل صفات الله غير الله أم هي الله - جل جلاله -) ؟. ووجه التفريق ما ذكره ابن تيمية وغيره من أهل العلم، بأن القول: هل الصفات هي الذات أم غير الذات؟ لفظ مجمل، قد يراد به حق، وقد يراد به باطل، وأما قولهم صفات الله غير الله - سبحانه وتعالى - فهو باطل بإطلاق؛ لأن الاسم يقصد به المسمى فيدخل فيه الذات والصفات، وعليه يستحيل أن يُقدَّر المسمى الدال عليه الاسم بلا صفات ولا ذات، سواء في الذهن أو في الخارج، وأما الذات فقد تقدر بلا صفات في الذهن دون الخارج؛ لأن لفظ الصفات زائد على لفظ الذات، أما مسمى اسم الله تعالى فيدخل فيه صفاته ويثبت به ذاته المتضمنة لصفاته، وهذا الاختلاف لاختلاف الألفاظ ومدلولاتها، أما من جهة التضمن واللزوم، فلا يعقل أن تكون ذات بلا صفات إلا في الوجود الذهني، أما في الوجود الحقيقي أو الخارجي فلا يعقل أن تكون هناك ذات بلا صفات، أو مجردة عن الصفات، ولا يتصور صفات ليست قائمة في ذات، [2] قال الذهبي في ذلك:"اسم الله يتناول الذات المتصفة بالصفات، ليس هو اسمًا للذات المجردة"، [3] ، وقال الغزالي:"فإن قيل: أفتقولون إن صفات الله تعالى غير الله"
(1) ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (10/ 70) . انظر: ابن بطال، شرح صحيح البخاري (10/ 426) .
(2) انظر: ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 326) . ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (10/ 72) .الدارمي، نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيد (1/ 548) . التميمي، عبد الله، جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية (ص: 144) .
(3) الذهبي، المنتقى من منهاج الاعتدال (ص: 91) .