تعالى؟ قلنا: هذا خطأ؛ فإنا إذا قلنا الله تعالى، فقد دللنا به على الذات مع الصفات، لا على الذات بمجردها؛ إذ اسم الله تعالى لا يصدق على ذات قد أخلوها عن صفات الالهية". [1] "
وعلى هذا يقال أن كل ما سيرد عن البخاري من أدلة أنه لا يقول بأن صفات الله غيره، يكون ذلك ردًا منه على من يقول بأن صفات الله غير الله - سبحانه وتعالى -، لا ردًا على من يقول بأنها غير الذات، فذاك له تفصيل أخر، والأدلة كما يلي:
1 -بوب البخاري بآيات تتضمن أسماء الله تعالى وبآيات تتضمن صفاته، وأورد الأدلة على جواز الاستعاذة بالأسماء والصفات على وجه سواء، كما دلل على جواز الحلف بأسمائه وصفاته على وجه سواء، ودليل ذلك ما بوبه بقول الله تعالى: {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] ، وقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180] ، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} [المنافقون: 8] . ثم قال: وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وذكر في هذا الباب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم:"أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ"، [2] وروى كذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ - سبحانه وتعالى -"، [3] والشاهد أنه ساوى بين الاستعاذة بالله والاستعاذة بصفات الله - سبحانه وتعالى -، وساوى بين الحلف بصفات الله - سبحانه وتعالى -، وبين الحلف بالله - سبحانه وتعالى -، ووجه الدلالة من هذه الروايات أنه لو كان الحلف والاستعاذة بصفاته حلفًا واستعاذة بغير الله تعالى لم يجز ذلك، فعلم أن الحالف أو المستعيذ بهما لم يحلف ولم يستعذ بغير الله، ولكن هو حالف ومستعيذ بالله بطريق اللزوم؛ لأن الحلف والاستعاذة بالصفة اللازمة، حلف بالموصوف - سبحانه وتعالى -. [4]
2 -فرّق البخاري رحمه الله تعالى بين صفات الله تعالى وأفعاله، وبين مفعوله ومخلوقاته، فجعل صفاته وأفعاله داخلة في مسمى اسمه، ولم يقل أنهما غيره، وجعل مفعوله غير داخل في مسمى اسمه، فقرر أنه غيره، فقال:"بابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيْرِهَا مِنَ الخَلاَئِقِ، وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَمْرُهُ، فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَكَلاَمِهِ، وَهُوَ الخَالِقُ المُكَوِّنُ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ"، [5] والشاهد قوله: (فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه وهو الخالق المكون غير مخلوق) ووجه الدلالة ما
(1) الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد (ص: 79) .
(2) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] ... ، 9/ 117: رقم الحديث 7383].
(3) [المرجع السابق، التوحيد/ السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، 9/ 120: رقم الحديث 7401] .
(4) ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (10/ 71) . بتصرف يسير.
(5) البخاري، صحيح البخاري (9/ 134) .