فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 501

ومن ضمنهم البخاري، وأصل هذه المقالة من المتكلمة المثبتة للصفات؛ ردًا منهم على من أثبت ذاتًا مجردةً عن الصفات، [1] وتدخل هذه المقالة في جملة الألفاظ المجملة التي كان يردها السلف ولا يجيبون عليها نفيًا ولا إثباتًا، ويمنعون الإطلاقين، ويتقيّدون بالمصطلحات الشرعية، ولكن من جاء من بعدهم كابن تيمية وابن القيم والسفاريني وابن أبي العز الحنفي وغيرهم، تعاملوا معها بالاستفصال من قائلها، [2] فقالوا: إن أريد بها معنى البينونة والانفصال فهذا المعنى يرد ولا يقبل؛ لما تقرر معناه سابقًا، وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة، فهذا حق, [3] وكما أنه لا يقال الصفات غير الله بإطلاق دون تفصيل، كذلك يمنع بإطلاق أن يقال صفات الله زائدة على الله - سبحانه وتعالى -، وعلل هذا ابن تيمية فقال:"وقول القائل: الصفات زائدة على الذات، ليس كقوله: صفات الله زائدة على الله؛ لأن مسمى اسم الله يدخل في صفاته، فإذا قال: الله دخل فيه صفاته، فإذا قال: هي غيره أوهم مباينةً لله - سبحانه وتعالى - لم تدخل في اسمه، وأما لفظ الذات فقد يراد بها الذات التي يُقدَّر أنها مجردة عن الصفات، والصفات زائدة على لفظ الذات", [4] وعبر كذلك الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن معنى الزيادة هنا فقال:"أثبت أهل السنة الصفات زائدة على ما أثبته هؤلاء- أي الذين أطلقوا ذاتًا مجردة عن صفاتها-، فهي زيادة في العلم والاعتقاد والخبر، لا زيادة على"

(1) انظر: الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد (ص: 11) . الآمدي، غاية المرام في علم الكلام (ص: 44) .

(2) قد يقول قائل بأن الذين استفصلوا خالفوا السلف في مغايرته بين الصفات والذات من وجه وعدم مغايرته من وجه أخر، وهذا خطأ؛ فإن السلف منعوا الكلام فيها لما فيها من الإجمال والتشويش، والمنع لا يعني أنهم لا يغايرون بين الصفات والذات من حيث المعنى؛ فهم لا يقولون بأن الصفات عين الذات، وإن قيل الصفات غير الذات ردوا هذا القول لما جاء في كتاب الله تعالى ودليل ذلك ما قاله الإمام أحمد بن حنبل:"فالجواب للجهمي إذا سأل فقال: أخبرونا عن القرآن: هو الله أو غير الله؟ قيل له: وإن الله - سبحانه وتعالى - لم يقل في القرآن: إن القرآن أنا، ولم يقل: غيري، وقال هو كلامي فسميناه باسم سماه الله به، فقلنا: كلام الله، فمن سمى القرآن باسم سماه الله به كان من المهتدين، ومن سماه باسم غيره كان من الضالين"ابن حنبل، الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 106) . ومنهج السلف في الألفاظ المجملة هو بيان الوجه الحق منها ثم الامتناع عن التلفظ بها، وأما من جاء بعد عصر الإمام أحمد فبين الوجه الحق والوجه الباطل، وأخذ بالحق ورد الباطل، وهذا الذي فعلوه هو نفس ما فعله البخاري في مسألة اللفظ في القرآن، فأحمد منع الكلام من أصله فيها، ولكن البخاري لما وجد هناك من غالى في المسألة لجأ للتفصيل، وقد وقفت على من فصل واستفصل في مثل هذه المسألة قبل ابن تيمية بما يقارب القرنين وهو فقيه اليمن العمراني، انظر: العمراني، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (1/ 254 - 255) .

(3) انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية (ص:125 - 126) . السَّفَاريني، لوامع الأنوار البهية (1/ 219) .

(4) ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (10/ 72) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت