فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 501

نفس الله - جل جلاله -، بل نفسه المقدسة متصفة بهذه الصفات، لا يمكن أن تفارقها، ولا توجد الصفات بدون الذات، ولا الذات بدون الصفات", [1] وهذا هو منهج البخاري كما سبق بيانه وهو القول بتلازم الصفات للذات، فلا يثبت صفات بلا ذات، كما لا يثبت ذاتًا بلا صفات، والأولى الوقوف عند هذا الحد، وعدم التعمق في مثل هذه المسائل."

الأمر الثالث: لم يثبت أبدًا عن البخاري أنه قال أن الصفات غير الذات، وإن كان قد ثبت مما سبق أنه يفرق بين الصفات والذات، إلا أن تفريقه هذا يدل على أنه يعتقد بأن للذات حقيقة، وأن للصفات حقيقة تابعة لها، والصفات لازمة للذات غير بائنة ولا منفصلة عنها، والبخاري من جملة السلف الذين ردوا لفظ الغيرية ومن الذين"لا يقولون الصفة لا هي الموصوف ولا هي غيره، بل لا يقولون الصفة هي الموصوف، ولا يقولون هي غيره، فيمتنعون عن الإطلاقين ولا ينفون الإطلاقين", [2] وهذه المسألة كسابقتها - مسألة هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ - فصّلَ فيها من جاء بعد عصر أحمد والبخاري، وقالوا: الجواب على مثل هذه المسائل لا يكون بنفي ولا بإثبات، إنما يستفصل قائله، فإن قصد بالغيرية المباين المنفصل، فهنا لا نقول بأن صفات الله غيره أو الصفات غير الذات؛ لأن ما كان منفصلا بائنًا عن الذات فهو غيره، وهو بهذا المعنى مخلوق، فإن أريد بأنه غير مباين له فليس هي غيره؛ ولهذا لا يقال الصفة غير الموصوف، أو الصفة غير الذات من هذا الوجه، وإذا أريد به ما يمكن تصوره، دون تصور ما هو غير له؛ فيكون غيرًا بهذا الاصطلاح، وبمعنى أخر إن أريد أنه ليس هو إياه أو أنه يمكن العلم به دونه، بمعنى أن للذات معنى وللصفة معنى، وبمعنى أنه إن أريد العلم بأحدهما مع عدم العلم بالأخر، فنعم هو غيره، فالصفة غير الموصوف كما أن العلم غير العالم، والحلم غير الحليم، والمغفرة غير الغافر. [3] ومن الذين فصلوا في مثل هذه المقالات ابن القيم فقال رحمه الله تعالى:"وبلاء القوم من لفظة الغير؛ فإنه يراد بهما معنيان أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بالله، وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقًا، ويراد به مغايرة الصفة للذات إذا خرجت عنها فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره، بمعنى: أنه غير الذات"

(1) التميمي، عبد الله، جواب أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية (ص: 145) .

(2) ابن تيمية، بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية (ص: 426) .

(3) انظر: الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد (ص: 79) . العمراني، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (1/ 254 - 255) . ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 326 - 327) . ابن تيمية، بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية (ص: 426) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت