فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 501

ومثل قوله تعالى عن الكافرين: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 77] ، ذكر الإمام الدارمي رحمه الله تعالى هذه الآيات ثم قال:"ففرَّق بين الكلام والنظر دون السمع، فقال عند السمع والصوت: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1] ، وقال تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181] ولم يقل: قد رأى الله قول التي تجادلك في زوجها ... ، ولم يذكر الرؤية فيما يسمع، ولا السماع فيما يرى؛ لما أنهما عنده خلاف ما عندكم"، [1] ويشهد لهذا الكلام قول الله تعالى: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 34] والشاهد أنه لو لم يكن ثمّة فرق بين صفة السمع والعلم لما ذكر كل صفة منفردة، ولكان لذكره صفة السمع والعلم في الآية عبثًا؛ لأنهما نفس المعنى ونفس العين، كما تقرر من قولكم وبالنقل النصي، والله - سبحانه وتعالى - منزه عن العبث.

ت قال الله تعالى: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فصلت: 47] ، وقال الله تعالى: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} [الأعراف: 7] ، وقال تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 166] ، والشاهد: أن المنهج السليم هو ما دل عليه القرآن بالقول أن الله عالم بعلم، ولو كان العلم هو نفس ذاته لما احتيج أن يقول أنزله بعلمه؛ خاصة أن ذكر ما لا يضيف معنىً جديدًا في السياق مذموم في لغة العرب، وكلام الله له الكمال المطلق الذي لا يتطرق له الذم ولا النقص من أي وجه من الوجوه، وعلق ابن خزيمة على هذه الآيات فقال:"أعلمنا الله - عز وجل - أنه أنزل القرآن بعلمه، وأخبرنا - سبحانه وتعالى - أن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه، فأضاف الله - سبحانه وتعالى - إلى نفسه العلم الذي خبرنا أنه أُنزل القرآن بعلمه، وأن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه، فكفرت الجهمية وأنكرت أن يكون لخالقنا علم مضاف إليه من صفات الذات". [2]

ث قال الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1] والشاهد: لماذا لم يقل قد علم، بدل {قد سمع} ولم يقل كذلك: والله يعلم تحاوركما، وقال: {والله يسمع} ؟! الجواب أنه عبر بالسمع؛ لأن الكلام في وقت قوله يسمع، والله - سبحانه وتعالى - من صفاته السمع، وهذا الذي سمعه ربنا - سبحانه وتعالى - في علم الغيب عنده أنه

(1) الدارمي، نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيد (1/ 221 - 222) .

(2) ابن خزيمة، التوحيد (1/ 22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت