القدر من أصله؛ لأنه لا تقدير بلا علم وخلق، ولا خلق بلا قدرة، فجعل القدرة بمعنى العلم نفي للقدرة من أصله؛ لأن العلم بالشيء لا يستلزم وجوده، وإلا لاجتمعت المتناقضات والمستحيلات في الوقت نفسه وهذا محال، ومثالٌ على ذلك أن الله - سبحانه وتعالى - يعلم أنه لا شريك له ويعلم أنه لا نبي بعد سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهل يصح أن يقال يقدر أن يوجد أو لا يوجد شريكًا له، أو أن يوجد ولا يوجد رسولًا بعد سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؟!، وحرف المسألة كونهم جعلوا العلم هو القدرة فهذا يعني أنهم أنزلوا المستحيل وجوده منزلة الممكن وجوده، وجعلوا وجود الشريك مع الله تعالى أمرًا ممكنًا ليس مستحيلًا؛ لأن المساواة بين الصفات من كل وجه مساواة بين لوازمها، كونهم جعلوا كل صفة هي نفسها الصفة الأخرى، وهذا ما دل عليه قول ابن عثيمين بأن:"القدرة إنما تتعلق بالأشياء الممكنة؛ لأن غير الممكن ليس بشيء، لا في الخارج ولا في الذهن، فالقدرة لا تتعلق بالمستحيل، بخلاف العلم"، [1] فعلم الله تعالى يتعلق بكل شيء، في الواجب والمستحيل والصغير والكبير، والظاهر والخفي، والقدرة تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء الواجب أو المستحيل؛ فهذا لا تتعلق به القدرة أصلًا؛ لأن الواجب مستحيل العدم، والمستحيل مستحيل الوجود، [2] مع العلم بأن هذا الحديث ثابت عند الشيعة مع الاختلاف في بعض الألفاظ، مما يثبت الحجة عليهم. [3]
ب كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو ويقول:"اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ"، [4] والشاهد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غاير بين العلم والقدرة، وتغاير الألفاظ يدل على تنوع المعاني، والمعاني تدل على الصفات القائمة في الذات؛ ولهذا بسبب مغايرته بين العلم والقدرة، غاير بين لوازمهما، فلازم العلم علم الغيب، ولازم القدرة قدرته على الإيجاد والخلق، ولم يجعل لازم القدرة العلم بالغيب، ولازم العلم القدرة على الخلق، وهذا هو الكمال؛ لأن كثرة الصفات الثبوتية المتصفة بالكمال والعظمة والجلال والجمال، تدل على عظم الذات، ولا يلزم منها تعدد الذوات.
ت روى البخاري عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قالت:"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ"، [5] علق ابن حجر على هذه الرواية فقال:"الأسماء المذكورة"
(1) ابن عثيمين، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (8/ 164) .
(2) انظر: المرجع السابق، ص 350، وص 555.
(3) انظر: الصدوق، من لا يحضره الفقيه (1/ 556 ح 1542)
(4) ابن كثير، البداية والنهاية (11/ 31) .
(5) [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله - سبحانه وتعالى -، 9/ 115: رقم الحديث 7375] .