والإحاطة، ووجه التناقض أن هذه الرواية تدل على المغايرة بين صفة العلم وبين ذاته، فينتقض بذلك قولهم بأن الصفات عين الذات؛ لأن هذا القول يستلزم أن العلم عين ذاته فيستلزم أنه تعالى مع المتناجين بذاته لأن العلم ذاته.
ت روى الكليني روايات بيّن فيها موافقة آل البيت لمذهب السلف، والتي منها ما رواه عن مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:"جِئْتُ إِلَى الرِّضَا - عليه السلام - أَسْأَلُهُ عَنِ التَّوْحِيدِ. فَأَمْلَى عَلَيَّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ الْأَشْيَاءِ إِنْشَاءً، وَمُبْتَدِعِهَا ابْتِدَاعًا بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ"، [1] والشاهد من قوله، إثبات قدرة الله وحكمته في فطر الأشياء وابتداعها، فلم يقل ابتدعها بغير قدرة كما يستلزم قولهم قدير بغير قدرة، ومغايرته بين القدرة والحكمة بواو المغايرة يدل على أن القدرة غير الحكمة، وإضافة القدرة والحكمة إلى الضمير العائد إلى الله تعالى يدل على رجوع هذه الصفات إلى ذات واحدة تعددت صفاتها، وهذا هو الأكمل في حق الله تعالى؛ فإن تعدد الصفات يدل على عظم الذات.
ثانيًا: الرد على معنى وحقيقة هذه العلاقة عند الكليني.
الكليني يرجع معنى الصفات عين الذات إلى معنيين، معنى السلب دون الإثبات، ومعنى الانكشاف من نفس الذات، وتفصيل الرد عليه كما يلي:
1 -رد المعاني الثبوتية إلى معانٍ سلبية دون إثبات الصفات، بقوله: أن معنى العلم أنه لا يجهل ومعنى السمع أنه لا يخفى عليه شيء، ومعنى القدرة لا يعجزه شيء، وهذا باطل بكل المقاييس الشرعية والعقلية، وهو نهاية ما وصل إليه غلاة المعطلة من الجهمية المحضة والباطنية من الرافضة والفلاسفة، [2] والذي يدل على فساده ما يلي:
أ أن الأصل هو الإثبات، وما جاء في القرآن من نفي لا يكون مقابله إلا إثبات، لأن النفي المحض لا مدح فيه، لهذا لو استقرأنا القرآن الكريم في حصر الصفات المنفية عنه تعالى, نجد أنها ترجع إلى الإثبات سواء بتقديم الإثبات على النفي أو العكس، ومثال ذلك قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] ، فقد قدم الإثبات على النفي، وعطف النفي على الإثبات؛ لبيان الفرق بين إثبات الحياة والقيومية بينه وبين العبد؛ فدل ذلك على كمال حياته وقيوميته بخلاف البشر، فإنهم يتصفون بالحياة ولوازم حياتهم السنة والنوم، وإن لم يكن سنة ونوم لكان ذلك مرضًا، بخلاف الله تعالى فإن من لوازم حياته نفي السنة والنوم لكمال حياته وقيوميته، [3] وإن جاء تقديم النفي وتأخير الإثبات يكون ذلك للطائف بلاغية قد يراد
(1) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ النهي عن الجسم والصورة، 1/ 76: رقم الحديث 3] .
(2) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (5/ 355) .
(3) انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية (ص: 106) .