بل من صفاته؛ [1] لهذا فإنّ ذكر الله وتحريك الشفتين باسم الله تعالى المراد منه: ذكر المسمى بهذا الاسم؛ لأن ذكر الله لا يتأتى إلا بذكر اسمه، فقوله تعالى في الحديث القدسي: (وتحركت بي شفتاه) لا يعني أن شفتي العبد تحركتا بذات الله وصفاته، إنما باسمه، واسمه يدل على ذاته بما تتضمنه من صفات الكمال، فاللسان والشفتان تحركا بالاسم الذي دل على الذات المقدسة، [2] وقد فرق البخاري بين التسمية التي هي فعل للعبد وبين الاسم الدال على ذات الله تعالى، وذلك في معرض رده على اللفظية المثبتة فقال: [3] "وأما قوله فهل يرجع إلى الله إلا باللفظ الذي تلفظ به، فإن كان الذي تلفظ به قرآنًا فهو كلام الله، [4] قيل له: ما قولك تلفظ به؟ فإن اللفظ غير الذي تلفظ به، لأنك تلفظت بالله، وليس الله هو لفظك، وكذلك تلفظ بصفة الله، بقول الله، وليس قولك: الله هو الصفة، إنما تصف الموصوف فأنت الواصف والله الموصوف بكلامه، كالواصف الذي يصف الله بكلام غير الله تعالى، وأما الموصوف بصفته وكلامه فهو الله - سبحانه وتعالى -"، [5] والشاهد من هذه الجملة قوله: (فإن اللفظ غير الذي تلفظ به) اللفظ هو الاسم الدال على المسمى وهو لفظ الجلالة، والتلفظ به هو التسمية وهو فعل الفاعل؛ لهذا قال البخاري: (لأنك تلفظت بالله، وليس الله هو لفظك) ؛ لأن اللفظ غير الذي تلفظ به، ولأنه يوجد فرق بين الاسم والتسمية، فالاسم ما دل على المسمى، والتسمية تلفظ العبد بهذا الاسم، والمراد بذكر الاسم أو نداءه هو ذكر المسمى أو ندائه؛ وليس المراد ذكر ونداء اللفظ، لكن المتكلم لا يمكنه نداء الشخص المنادى إلا بذكر اسمه وندائه؛ [6] لهذا اللفظ يختلف عن الملفوظ، فاللفظ هو الاسم الدال على المسمى، والملفوظ هو التسمية، ثم قرب البخاري هذه المسألة بربطها في معنى الصفة والوصف والموصوف وختم كلامه بقوله: (وأما الموصوف بصفته وكلامه فهو الله - سبحانه وتعالى -)
(1) انظر: البخاري، خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 114) .
(2) انظر: ابن حجر، فتح الباري (13/ 500) .
(3) قال ابن القيم: اللَّفظية الذين يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؛ وهم مبتدعة جهميَّة عند الإمام أحمد والشافعي. ابن القيم، اجتماع الجيوش الإسلامية (1/ 265) .
(4) قال الفهيد في الحاشية على تحقيق هذا الكتاب:"هذا من شبه المخالف من اللفظية المثبتة، القائلين: بأن اللفظ هو الملفوظ، والقراءة هي المقروء، وأن اللفظ بالقرآن غير مخلوق ... ، وهنا يتعلق المخالف بأن الذي يرجع إلى الله به هو اللفظ الذي تلفظ به القارئ وهو كلامه فيكون لفظ العبد وقراءته هو كلام الله!!". الفهيد، تحقيق كتاب خلق أفعال العباد للبخاري (2/ 276) .
(5) البخاري، خلق أفعال العباد (ص: 108) .
(6) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (6/ 192)