فهرس الكتاب
إجمال، والسبب أننا لو قلنا بأن الخبز غير المأكول والماء غير المشروب، لفهم منها معانٍ غير ما يفهم من قولنا: أن الماء اسم للمشروب؛ لهذا لا يصح أن يقال: الله غير الذات المتصفة بالألوهية، أو الله غير المسمى، أو الله غير الله، وعليه فلنقف عند هذا اللفظ الواضح ونقول الاسم للمسمى كونه دال عليه.
الرواية الثالثة: سأل فتح بن يزيد أبا الحسن فقال:"اللَّهُ وَاحِدٌ وَالْإِنْسَانُ وَاحِدٌ، أَلَيْسَ قَدْ تَشَابَهَتِ الْوَحْدَانِيَّةُ؟! قَالَ- أبو الحسن-: يَا فَتْحُ أَحَلْتَ ثَبَّتَكَ اللَّهُ، إِنَّمَا التَّشْبِيهُ فِي الْمَعَانِي فَأَمَّا فِي الْأَسْمَاءِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى الْمُسَمَّى، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ قِيلَ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يُخْبَرُ أَنَّهُ جُثَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ بِاثْنَيْنِ، وَالْإِنْسَانُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِوَاحِدٍ؛ لِأَنَّ أَعْضَاءَهُ مُخْتَلِفَةٌ وَأَلْوَانَهُ مُخْتَلِفَةٌ، وَمَنْ أَلْوَانُهُ مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَجْزَاءٌ مجزأة لَيْسَتْ بِسَوَاءٍ، دَمُهُ غَيْرُ لَحْمِهِ، وَلَحْمُهُ غَيْرُ دَمِهِ، وَعَصَبُهُ غَيْرُ عُرُوقِهِ، وَشَعْرُهُ غَيْرُ بَشَرِهِ، وَسَوَادُهُ غَيْرُ بَيَاضِهِ، وكَذَلِكَ سَائِرُ جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَالْإِنْسَانُ وَاحِدٌ فِي الِاسْمِ وَلَا وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى، وَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ وَاحِدٌ لَا وَاحِدَ غَيْرُهُ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَفَاوُتَ وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ، فَأَمَّا الْإِنْسَانُ الْمَخْلُوقُ الْمَصْنُوعُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وَجَوَاهِرَ شَتَّى غَيْرَ أَنَّهُ بِالِاجْتِمَاعِ شيء وَاحِدٌ". [1]
هذه الرواية احتوت على أكثر من موضوع، وكل سيناقش في محله، والشاهد من هذه الرواية فيما يخص مسألة الاسم والمسمى، قوله: (الأسماء واحدة وهي دالة على المسمى) وهذا الكلام فيه تلبيس وإجمال؛ لأنه قيل في مقام يراد به الجواب على شبهة التشبيه بين الخالق والمخلوق لإطلاق أسماء مشتركة بين الله تعالى والمخلوق، لهذا يقال: إن قصد به أن العلاقة بين الاسم والمسمى هي أن الاسم يدل على المسمى فيكون الاسم المقصود به المسمى أي للمسمى، فهذا حق وتبقى نقطة الخلاف قائمة على القول بأن الأسماء مخلوقة، وإن قصد بقوله هذا، أن ما يسمى الله تعالى به ويسمى به المخلوق، إنما يقال بالاشتراك اللفظي [2] فقط من غير أن يكون بين المسميين معنى عامًا فهذا باطل؛ لأن المعنى العام قدر مشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، والاضافة هي التي تخصص وتظهر التفاوت والاختلاف، لهذا المخصص هي الذات، فيكون التشبيه فيما اختصت به الذات من كيفية ومعنىً معينًا لا بالمعنى الكلي العام، [3] مثل القول بأن معنى العلم الإحاطة، فالله محيط بكل شيء وهذا مما اختصت به
(1) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ الفرق بين المعاني التي تحت أسماء الله - سبحانه وتعالى - وأسماء المخلوقين، 1/ 86: رقم الحديث 1] .
(2) المشترك اللفظي هو: اللفظ الواحد الدال على معنين مختلفين فأكثر، مثل لفظة العين فإنها تطلق على عين الماء والعين الحقيقية وعلى الجاسوس. انظر: السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها (1/ 292) .
(3) انظر: ابن تيمية، شرح حديث النزول (ص: 12) . ابن تيمية، التدمرية (ص: 126) .