فهرس الكتاب
-ذكر البخاري أنه عندما أنزل الله - سبحانه وتعالى - عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1] قالت عائشة: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ, [1] ولهذه الرواية عن أمنا عائشة رضي الله عنها شاهد، تذكر فيها أنها كانت في ناحية البيت ولم تسمع ما قالته خولة في جدالها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، [2] وهذا السبب جعلها تقف مع نفسها متأملة في عظمة الله تعالى من خلال معرفة عظمة صفاته، فلم يسعها إلا أن تعظم الله تعالى من خلال حمده، وعللت صرف الحمد له لاتصافه بهذه الصفة فقالت: الذي وسع سمعه الأصوات، ونفس الشيء حصل مع عمر - رضي الله عنه - فقد كان يقول عن خولة إذا ذكرت:"هذه امرأة، سمع الله شكواها من فوق سبع سموات", [3] والمقصود هنا تعظيم الله تعالى بأن المسافات الطويلة والحدود، لا تحول بين سمع الله تعالى للمسموعات، فالله - جل جلاله - لا تختلف عليه الأصوات، ولا تخفى عليه جميع اللغات، فالقريب، والبعيد، والسر، والعلانية، عنده سواء، [4] وقال ابن القيم عن اسم السميع هو:"الذى قد استوى في سمعه، سر القول وجهره، وسع سمعه الأَصوات فلا تختلف عليه أَصوات الخلق، ولا تشتبه عليه ولا يشغله منها سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل ولا يبرمه [5] كثرة السائلين"، [6] فالصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس بأسماء الله تعالى وصفاته بعد الرسل والأنبياء صلوات الله عليهم؛ لهذا هم أكثر الناس تعظيمًا لله تعالى بعد الأنبياء عليهم السلام، وقد عرف هذه المعاني ابن القيم فقال:"فللَّه العظيم أَعظم حمد وأَتمه وأَكمله؛ على ما منَّ به من معرفته وتوحيده والإقرار بصفاته العلى وأَسمائه الحسنى". [7]
-روى البخاري بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن مسعود: أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم -، إِنَّ اللَّهَ تعالى يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلاَئِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ. «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى
(1) البخاري، صحيح البخاري (9/ 117) بتصرف يسير.
(2) انظر: [ابن حنبل: مسند أحمد، مسند النساء/ مسند الصديقة عائشة رضي الله عنها، 40/ 228: رقم الحديث 24195] .
(3) الدارمي، نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيد (1/ 317) .
(4) السعدي، تفسير أسماء الله الحسنى (ص: 175) بتصرف.
(5) البرم: هي الملالة والسأمة. انظر: ابن منظور، لسان العرب (12/ 43) .
(6) ابن القيم، طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 128) .
(7) المرجع السابق، ص 127.